Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


معركة إدارة المركبات العسكرية يمكن أن تقلب طاولة المؤامرة

الكاتب : هيثم البدوي

2017-12-01 | |

شنت قوات المعارضة السورية في الغوطة الشرقية المحاصرة ظهر يوم الثلاثاء 14/11/2017 معركة أطلقت عليها لاحقاً اسم " #بأنهم_ظلموا "؛ اسم مشتقٌ من الآية الكريمة القائلة (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، في رسالة بأن هدف المعركة هو رد "الظلم" الممارس على الغوطة الشرقية والذي زاد (بدل أن يخف) بعد ضمها لاتفاقيات خفض التصعيد الموقعة بين فصائل الغوطة ونظام اٍلأسد برعاية و ضمانة روسية وتركية وإيرانية (ومصرية في ملف الغوطة) والتي عرفت باسم الدول الضامنة.

ففي تناقض واضح، ترافق اشتداد الحصار على الغوطة مع توقيع  اتفاقية خفض التصعيد التي تنص بنودها على فتح ممرات ومعابر للتبادل التجاري و تسهيل الانتقال الانساني  للسكان بين الغوطة الشرقية ودمشق، ما كان يعني رفع حالة  الحصار المفروضة على الغوطة منذ مطلع 2013 حتى اليوم، الأمر الذي أدى إلى هبوط في سعر صرف الدولار داخل الغوطة قبل المعركة ليصل الى 400 ليرة سورية مقابل الدولار بفرق تجاوز 80 ليرة عن سعر الصرف في دمشق، ولتقفز أسعار المواد الغذائية بما فيها المواد الرئيسية كالسكر والطحين لأرقام جنونية مقتربة من سقف خيالي بمتوسط  زيادة بلغت أحياناً عشرون ضعفاً مقارنةً بأسعارها الحقيقية في دمشق التي تبدأ حدودها  على بضع مئات من الأمتار فقط.

أيضاً ترافق تشديد الحصار الإنساني هذا مع حالات عديدة من الفوضى المنظمة (المخططة) وغير المنظمة (المخططة) قبل بدء العملية بأسابيع، فقد تعرضت مستودعات المجلس المحلي لمحافظة ريف دمشق (التابعة لحكومة المعارضة) والتي تحتوي على مخزون استراتيجي يساهم في تخفيف وطأة الحصار، تعرضت لعمليات سلب ونهب منظمة حسب تسجيلات صوتية اُذيعت لنائب رئيس الحكومة المؤقتة "أكرم طعمة" المتواجد في غوطة دمشق المحاصرة، دون أن تتدخل أي من الفصائل العسكرية المسيطرة لحماية تلك المستودعات رغم مناشدات المجلس المحلي المحافظة للتدخل، ما أدى إلى سرقة  كامل المواد الاغاثية المخزنة استراتيجياً لمعالجة حالة الحصار.

من جهة أخرى شهدت بعض الجمعيات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني حالة من "المصادرة" لمستودعاتها من قبل فصيل "فيلق الرحمن"؛ تارةً بحجة "أنه لمس متاجرةً بتلك المواد الإغاثية وعدم استخدامها بشكل سليم"، وتارةً أخرى بحجة حاجته لتلك المواد الإغاثية في عملياته العسكرية في المعارك شرسة في جبهة حي جوبر أبلى فيها بلاءً حسناً مانعاً النظام من تحقيق التقدم مكبداً إياه خسائر بشرية جسيمة في نخبة قواته، علماً أن أغلب المواد الإغاثية الغذائية (خاصة الطحين) والحطب كانت معدةً للتوزيع مع قدوم فصل الشتاء، ما خلق فوضى إضافية وتراشقات إعلامية بين تلك المؤسسات الإغاثية وفصيل "فيلق الرحمن" خفف منها وطغى عليها تحويل تلك القضايا إلى "القضاء" بالإضافة للعملية العسكرية الأخيرة في "إدارة المركبات العسكرية".

أيضاً لا بد من الإشارة للتنافس حول التمثيل المدني في الغوطة الشرقية، فقد تقاسم السلطة المدنية مؤسسات عديدة، أهمها محافظة ريف دمشق ومكتب للحكومة المؤقتة، لكن بسبب تسلط العسكريين على السلطة المدنية ظهرت مسميات استخدمتها الكيانات العسكرية كواجهةٍ، تمثلت بدايةً بـ "القيادة الموحدة" والتي باتت في حكم المنتهية بعد انسحاب كيانات عسكرية هامة منها و مقتل قائدها العام الشيخ زهران علوش، وإن بقي مسمى "القيادة الموحدة" متداولاً على بعض الأوراق والأختام في قطاع دوما وأغلب المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاسلام.

أما في القطاع الاوسط فقد ظهر مؤخراً مسمىً جديد باسم "القيادة الثورية لدمشق وريفها" والتي تشكلت كما أشار بيانها الأول "إثر عمل مشترك ما بين  قطاعي الثورة المدني من جهة، والعسكري من جهة أخرى" متمثلاً عملياً وحصرياً بفصيل "فيلق الرحمن"، وبذلك بات لكل قطاع في غوطة دمشق الشرقية المحررة من سلطة النظام، بات له قيادة مدنية يتخفى تحت عباءتها الكيان العسكري المسيطر على القطاع، وإن بقي مسمى "الهيئة العامة للغوطة الشرقية" الذي يعد الأصل المدني الأول لأي نشاط سياسي لاحق بما فيهم "القيادة الموحدة" و"القيادة الثورية".

وسط هذا المشهد تزاحمت القيادات والهيئات والمحافظة فيما بينها على التنافس التمثيلي للغوطة ما سبب تململ الحاضنة الشعبية للثورة واستياءها من هذا التنافس على شيء معرض للزوال تحت ضربات نظام الأسد وحلفاءه وتراجع الجبهات العسكرية واختلاف واقتتال الفصائل فيما بينها، فقد عاشت الغوطة الشرقية طيلة سنوات مضت على أخبار الاقتتال فيما بين فصائلها، ولم يتراجع هذا الاقتتال البيني رغم كل المناشدات والوساطات والتدخلات الاقليمية والمحلية والشخصية من قبل وجهاء محليين ونشطاء وهيئات محلية.

أيضاً لا بد من الإشارة للوضع السياسي الدولي للقضية السورية الذي رافق هذه المعركة، حيث تمر المعارضة السياسية بأيامٍ صعبة، إضافة لتشظي تمثيلها ناهيك عن المنصات المصطنعة والمصنعة من قبل النظام وروسيا وبعد الجهات الإقليمية، بهدف المزاحمة على تمثيل الثورة أو الالتفاف عليها أو اختراقها سياسياً، مع تعدد طباخي "مؤتمرات الحل السياسي" لنفس الأهداف.

بعد كل ما تقدم، نصل لتحديد الفصيل الثوري الذي بدء معركة إدارة المركبات، وهو "حركة أحرار الشام الاسلامية"، هذا الفصيل الذي  حاول دائماً النأي عن الاقتتال البيني مع الفصائل الثورية الأخرى محتفظاً بسجله الخاص حول الأمر، والذي تمثل تارةً في اندماجه في "فيلق الرحمن" ومن ثم الانفصال عنه وما نشب عنه من اقتتال نتيجة ذلك، وصولاً لوقوف "حركة أحرار الشام الإسلامية" على الحياد في الاقتتال الأخير عام 2017 بين جيش الإسلام من جهة وفيلق الرحمن وبقايا جبهة النصرة من جهة أخرى، حيث اندمجت الحركة مع فصيل "فجر الأمة" في منطقة حرستا، ليُبْعِدَ التشكيل الجديد نفسه عن الاقتتال الدائر.

مع بداية الثورة السورية في آذار 2011 ومن ثم سيطرة فصائل المعرضة على معظم الغوطة الشرقية،  تحولت "إدارة المركبات العسكرية" إلى منطقة حشدٍ وقصفٍ وإمدادٍ لقوات النظام وشوكة تخترق الغوطة الشرقية، شُنت عليها سابقاً من قبل فصائل المعارضة أربعة معارك لم تحقق المطلوب منها لتمترس قوات النظام وتحصُنهم بها بشكل قوي ومدروس، وعدم التنسيق والتعاون لبين الفصائل، ما أفشل كل عمليات الاقتحام السابقة، لتُصنف "إدارة المركبات العسكرية" كأقوى نقاط لنظام الأسد في محيط (وداخل) غوطة دمشق، بمساحة تبلغ كيلومتر 4 كيلومتر مربع، ويخترق الغوطة بلسان متوسط عرضه 600 متر، وبجبهتين يسيطر على إحداها فصيل "حركة أحرار الشام الإسلامية" (التي اندمج فيها فجر الأمة) ، بينما يسيطر فيلق الرحمن على الجبهة الأخرى المقابلة.

مع ظهر يوم الثلاثاء 14/11/2017 أطلق فصيل "حركة أحرار الشام الإسلامية" عبر جبهته معركة ضد النظام في "إدارة المركبات العسكرية" التابعة لنظام الأسد، في عملية صرح فيها الناطق الرسمي للحركة بأن هدفها الأول "منع اختراق وتقسيم الغوطة من قبل النظام"،  واستطاع في ساعات المعركة الأولى كسر خطوط دفاع النظام وإرباكه عبر الاختراق من مناطق لم تخطر ببال النظام ما شكل عنصر مفاجأة تضاف إلى السرية العالية للتخطيط والإعداد والتجهيز التي تمت بدورها بشكل جيد، وهو ما أدى لتحرير أجزاء كبيرة من ادارة المركبات، بدءًا من مباني القيادة وصولاً لبعض مرائب (هنكارات) الإصلاح والصيانة للأليات العسكرية الخفيفة والثقيلة.

 

شكل هذا الأمر صدمة ورعباً لقوات الأسد ما اضطرها للتراجع والانسحاب بعد فشلها في صد الهجوم بعد كسر خط دفاعها الاول والأهم المجهز بقوة هندسية بالغة، ما دفع بنظام الأسد لاستخدام طائراته العسكرية بمنحيين اثنين؛ أولهما لقصف المدنيين في مناطق الغوطة المحررة بالقنابل العنقودية المحرمة دولياً لإحداث بالغ الاثر لمعاقبة الحاضنة لشعبية لتأليبها على هذا العمل العسكري وعلى فصائل في الغوطة لإرغام هذه الفصائل على إيقاف المعركة مقابل إيقاف ضرباته للمدنيين، أما المنحى الثاني فقد ظهر من خلال قصف النظام لقواته و للثوار معاً داخل أرض المعركة المتداخلة في محاولة منه لإقامة خط دفاعي جديد بعد انهيار خطه الأساسي الأول وبدء زحف الثوار باتجاه باقي مناطق ومباني إدارة المركبات العسكرية" كبيرة المساحة، والذي ترافق مع استقدام النظام لتعزيزات للمعركة من خارج القطاع ومن أغلب قطعه العسكرية المنتشرة حول الغوطة الشرقية المحاصرة وزيادة صعوبة دخولهم المعركة  لعدم معرفتهم السابقة بأرض المعركة، ما يعني فشل وضعف الخطط  والسيناريوهات الموضوعة مسبقا من قبل قيادة أركان جيش نظام الأسد لمواجهة هكذا هجوم بعد أن فاق تقديراته المحسوبة، وهكذا، وبعد نجاح قوات نظام الأسد  جزئيا بصنع خط دفاع جديد هذا، انتقل إلى أسلوب آخر تمثل باستخدام الغازات السامة  (الكلور) ضد الثوار المهاجمين في محاولة منه لكسر حدة الهجوم وقوته وتثبيت خط دفاعه الجديد.

أثناء العمل العسكري، أصدرت "حركة أحرار الشام الإسلامية" تعميمين اثنين، دعت في الأول باقي فصائل الغوطة للمساهمة في العمل العسكري الجاري، أمر تلقاه فصيل "فيلق الرحمن" برد إيجابي معلناً على لسان ناطقه الإعلامي مؤازرة "حركة أحرار الشام الإسلامية" في هجومها على الإدارة من خلال جبهته التي تحيط بإدارة المركبات العسكرية من الجهة الأخرى، وقد أشارت الأمور على أرض الواقع إلى مساهمته التي اقتصرت على ساعات لتتوقف بعدها حسب ناشطين، أما التعميم الثاني الذي أصدرته "حركة أحرار الشام الإسلامية" فقد أعلنت فيه عدم ذكر اسم فصيل الحركة في بيانات المعركة مستخدمةً مسمى "ثوار الغوطة" كاسم جامع متجاوزة الحساسية الفصائلية في هذا الامر، علماً أن فصيل "حركة أحرار الشام الإسلامية" تربطه علاقات جيدة بكل الفصائل.

المعركة لم تنتهي وإن خفت حدتها نسبياً دون ان يتوقف القصف الوحشي للمدنيين من قبل نظام الأسد، دون أن تسيطر "حركة أحرار الشام" على كامل الإدارة، كما عجز النظام عن استعادة معظم ما خسره، بينما لا زال قصف النظام وانتقامه من المدنيين مستمراً، لكنها عملياً كادت تقلب الطاولة فوق جهات عديدة وفي ملفات حساسة، وستفعل إن وصلت إلى نهاياتها، فالعمل المنجز دل على استراتيجية جديدة انتهجتها المعارضة أخيراً وعلى عدة جبهات، ظهرت بشكل واضح في معركة اليوم، وفي المعركة السابقة لفصيل فيلق الرحمن بمنطقة جوبر على جبهة الكراجات قبل أشهر عندما حرر مناطق جديدة لكنه اُجبر لاحقا على الانسحاب منها تحت ضربات النظام.

 

أيضاً، اليوم مع هذا العمل العسكري للسيطرة على "إدارة المركبات العسكرية"، ظهر أن الإعداد لكل السيناريوهات العسكرية كان جيداً، فالانضباط (الذي تتميز به الحركة في الغوطة خاصة) والتكتم الإعلامي الشديد مثلاً أوقع قوات نظام الأسد بعجز وحيرة نتيجة شح المعلومات بعكس ما حصل باختراقات أمنية سابقة للنظام في معارك مع فصائل أخرى، وهو ما عجز عن تحقيقه في اختراق جسم "حركة أحرار الشام الإسلامية" في الغوطة، وربما كان ذلك السبب الرئيسي في إرجاء الحركة الطلب من الفصائل الأخرى المشاركة في العملية بعد انطلاقها لا قبله، ففوجئ بتوقيت الهجوم وغاب عنه ما يدور داخل ساحة المعركة وحجم المناطق المحررة، حتى بات يحصي قتلاه ويحدده هوياتهم بالاطلاع على مواقع المعارضة في الشبكة الافتراضية حسبما أظهرت مواقعه على الشبكة الافتراضية، ويجدر بالذكر هنا الإشارة إلى أن نائب قائد "إدارة المركبات العسكرية" قد لقي مصرعه أثناء الهجوم مع ما يفوق مائة عنصرٍ من عناصر جيشه  كعدد أولي مرشح للارتفاع.

كما تكمن أهمية هذه المعركة عسكرياً في أنه في حال تقدم الثوار والسيطرة الكاملة على "إدارة المركبات العسكرية"، فإن ذلك سيعني نقل المعركة والاشتباكات من عمق الغوطة إلى محيط دمشق، وبذلك تزداد الجبهات المباشرة حول دمشق لتضم جبهتي عربين وحرستا بالإضافة إلى جبهة جوبر المفتوحة، بما سيشكل قوساً دائرياً جديداً بعد القضاء على القوس الدائري السابق المكون من جوبر وبرزة والقابون بعد سيطرة النظام على الأخيرتين، كما سيؤدي تحرير إدارة المركبات العسكرية بالكامل إلى تفريغ مقاتلي المعارضة لخوض المعارك في جبهات أخرى، كما يعني تأمين مناطق الغوطة من قصف الهاون والأسلحة المتوسطة والخفيفة التي كانت تتم من قبل النظام عبر قواته المتمركزة في هذه الإدارة التي تخترق قلب الغوطة.

 

كما تظهر أهمية المعركة على الصعيد السياسي في كونها دعم ظاهر للمعارضة السياسية السورية في قراراتها الوطنية، وبأن الفصائل العسكرية للثورة السورية مازالت قادرة على فرض إرادتها العسكرية على أرض الواقع حيث يجري وفقه عسكرياً وعملياً فرض الحل السياسي الذي لا يفتأ الجميع على ترداد أنه "الحل الوحيد لما يجري في سوريا"  بينما يجري فرضه عسكرياً على أرض الواقع.

أيضاً شكلت المعركة اختباراً محرجاً حقيقياً لجدية الضامن الروسي ما منعه من استخدام طائراته مع تغاضيه عن الجرائم الوحشية المرتكبة من قبل النظام بحق المدنيين، و"الدعوة وملاحظة أن التوترات  العسكرية يجب حلها بشكل تفاوضي حسب اتفاقيات خفض التصعيد لتقديم الحل السياسي على العسكري"، حسب ما ردده الضامن الروسي كما يحصل عادة عند وصول حليفه نظام الأسد إلى مأزق عسكري، ومنها هدنة الـ 48 ساعة الكاذبة.    

أما على صعيد الحاضنة الشعبية، فقد كانت للروح المعنوية العالية صدىً واضحاً من خلال متابعة مواقع الناشطين على الشبكة الافتراضية العنكبوتية، ومن خلال متابعة ردود الأفعال اليومية للسكان المحليين أي الحاضنة الشعبية، الذين باركوا هذا العمل العسكري، داعين إلى رص صفوف الفصائل الثورية في مواجهة نظام الأسد، كما ساهموا بتخفيف أعباء القصف الناتج عن طريق مساهمات فردية تمثلت في تحضر الطعام والكساء للمتضررين من قصف النظام في ظل غياب الجهات الفصائلية الرسمية المسؤولة.

على الصعيد الاقتصادي ازداد ارتفاع الاسعار حدةً داخل الغوطة المحاصرة مع جهل تام بما ستؤول له الأمور لاحقا من قبيل فتح طريق للتبادل التجاري أو دخول مساعدات أممية جديدة تساعد في تخفيف الكارثة الناتجة عن الجوع الذي سببه ارتفاع الأسعار وشح المواد الإغاثية.

أما على صعيد نظام الأسد، فقد أدرك بدوره أن مجمل تقيمه السابق للقوة العسكرية لقوى الثورة السورية في الغوطة الشرقية لمدينة دمشق كان خاطئً، وأن الحصار المفروض عليها وعلى مئات آلاف المدنيين فيها لم يدفعهم للاستسلام ولم يثني عزيمة ثوارها ولم يغير من أهدافهم في إزالة نظام الأسد.

أما على الصعيد الدولي، فلا زال ملف غوطة دمشق المحاصرة الصامدة ملفاً صعباً ومثار تجاذبات، ولازال المجتمع الدولي يقف "ظاهريا" متفرجاً على ما يجري داخل الغوطة ومحيطها دون رؤية مستقبلية لهذه المنطقة التي تعد آخر وأهم معقل للمعارضة في العمق السياسي السيادي لنظام الأسد المتمثل في العاصمة دمشق، وإن كانت الوقائع تدل بما لا شك به على تواطؤ المجتمع الدولي متمثلاً في الإدارة الأمريكية وتابعيها الأوروبيين وواجهتهم الأمم المتحدة، وبعض الأنظمة الإقليمية، تواطؤهم مع الروس والإيرانيين لمساعدة نظام الأسد في السيطرة على هذه المنطقة ... هذا إن استطاعوا.

أما فيما يتعلق بالمعارضة السياسية المتشظية، واللاهثة عموماً للبقاء في الواجهة السياسية بأي ثمن، والمخترقة بتشكيلات تدعي المعارضة، فربما كان ربطها الجدي لاستئناف المفاوضات في جنيف، ومثلها الفصائل العسكرية في مفاوضات أستانة، ربما كان ربطهما حضور هذه المفاوضات بوقف حصار الغوطة وقصفها هو السبيل الأنجع والأقرب لضمان مساهمتها في تعزيز هذا المعقل المهم للمعارضة في مجمل المناطق المحررة، وإن كان الأمر لا يبدو ضمن اهتمامات مفاوضي المعارضة كما أثبتت الجولات السابقة التي ترافقت دائماً بهجمات وحشية للنظام على داريا وحلب ووادي بردى وجبهة جوبر أخيراً وغيرها، وكما يحصل اليوم في حصار وقتل وحشي للمدنيين بينما تنطلق جولات المفاوضات كما حصل سابقاً وكأن شيئاً لا يحدث.

وبكلمة أخيرة؛ هذه المعركة بينت كيف يمكن لعمل مدروس أن يشكل حجر الدومينو الصغير الأول الذي يُسْقِط الكثير من الأحجار التالية عندما يأتي في إطار استراتيجية عسكرية/سياسية متينة تفتقدها قوى الثورة السياسية والعسكرية وحلفاؤها منذ انطلقت الثورة (بعكس النظام وحلفاءه)، فتضيع بدونها الجهود وتتقزم نتائج التضحيات، وكيف يمكن لعمل واحد في إطار استراتيجيات مدروسة أن يقلب الطاولة على رأس كل من يسعون لإنهاء الثورة السورية، أمور لم يستوفها هذا العمل لأسباب ذكرنا بعضها، لنستنتج أن صمود الغوطة الشرقية بل وتحولها لموقع الهجوم (ومثلها الحال في مجمل الثورة السورية)، أو سقوطها (إن حصل)، وقبل أن يكون نتيجة ضغط عسكري خارجي، فسيكون وبشكل رئيسي نتيجة أسباب داخلية فيها، تتمثل بشكل رئيسي بغياب وحدة القرار والاستراتيجيات والرؤية المتكاملة، والتنازع الداخلي فيما بين الفصائل وتسلط العسكريين على المؤسسات المدنية والمدنيين وبالتالي فقدان الحاضنة الشعبية، كما أن تعزيز صمود الغوطة الدمشقية المحاصرة الصامدة يكون أيضاً بموقف مسؤول لمفاوضي جنيف وأستانة (فمفاوضي سوتشي خارج إطار المعارضة أصلاً)، وربط أي تفاوض بوقف مسبق للحصار والقصف والوحشي ... أمورٌ تنتظر قادة عسكريين وسياسيين يمسكون فيها بزمام المبادرة ليس في الغوطة فقط بل في مجمل الثورة السورية.

هيثم البدوي / كاتب سوري

طالب علوم سياسية في أكاديمية مسار / غوطة دمشق الشرقية

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.