Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


أدب الأطفال في سوريا بين استغلال السلطة وحاجة المجتمع

الكاتب : أدهم مسعود القاق

2017-11-18 | |

اتسم أدب الأطفال العربي بتجسيده لمواقف السلطات السياسية، وارتبط كغيره من أصناف الأدب والفنون بالأحداث والوقائع السياسية، فبعد هزيمة الـ 1967 بدأ الكتّاب والأدباء البحث عن هويّة ثقافيّة، فلجأوا إلى التراث ونبشوا في منتجات الرواد الأوائل، ولم يهملوا الاطلاع على تجارب الشعوب المتحضّرة، ولم يكن أدب الطفولة بمنأى عن تلك الأحداث، فقد أصابه نصيبٌ وافرٌ، فانتقل نحو مرحلة جديدة كمًّا وكيفًا عمّا كان عليه قبل تلك الهزيمة.

استمرّ أدب الأطفال بسوريا في ثمانينيات القرن الماضي بالإنتاج ولكنّه كان متباينًا برؤاه وأهدافه، وإذا كان قد برز كتّاب كزكريا تامر بدمشق سعوا لتغيير آفاق توقّع الأطفال، فكتبوا أدبًا طفليًّا عُدّ لبنة من لبنات بناء أدبٍ طفليٍّ عربي مسؤول، فقد كان معظم من استمرّ بالكتابة للأطفال يستمدّون قيم مؤلّفاتهم من وسائل الإعلام التي تعبّر عن مواقف السلطة السياسية، لا سيّما الأدباء السوريون الذين كانوا يمتلكون مقاييس خاصّة بهم ترتبط بأجهزة الأمن السوريّة، يحدّدون من خلال تلك المقاييس رضى نظام الحكم على نتاجهم، لذلك انتشرت بين صفوفهم مظاهر العدمية والأمية الثقافية والانحطاط الخلقي تماهيًّا مع سمات نظام الحكم وتيارات الفكر السياسي العربي التي لم تستطع أن تكون سوى نسخ ممسوخة عن سلطة النظام بسياساتها التي انعكست على أدب الأطفال سلبيًّا، فأضحى ملبيًّا لتوجّهات السلطة السياسية، ولكم أن تراجعوا مجلة الطليعي التي لا يزال نتاجها مثالًا لترويج سياسات السلطة، أو إذا رغبتم يمكنكم قراءة مناهج وزارة التربية التربوية ونتاج مؤسساتهم الثقافية التابعة لوزارة الثقافة التي ما توانت يومًا عن تمجيد الرئيس القائد، والتأكيد على أبوته الخالدة، وربط مفهوم الوطن والحرية وبقية القيم السلوكيّة بتقولات مؤسسات السلطة ودعاويها.

 لم يكن أدب الطفولة في سوريا هو المسيّس الوحيد، فمعظم ما كُتِبَ في أدب الطفولة العربي تحوّل ليعبّر عن كلّ ما هو سياسي مؤقّت، هادفًا لتدجين الطفولة على قيم سلبيّة ارتبطت بالقوى السياسية وتسلّطها على البلاد والعباد، لكن ومن مواقع أخرى فرضتها الظروف السياسية المستجدّة، يجد المتابع أدبًا طفليًّا عربيًّا انتصر لقيم البطولة التي تجسدت بالمقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية بمواجهة الاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت في ثمانينيات القرن المنصرم، وهناك من قام بتجسيد معاني البطولة مع شباب الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فترك نتاجًا تساوق مع فعل البطولة بمواجهة الخطر الإسرائيلي الداهم.

 وإذا كان أدب الأطفال العراقي أظهر منظومة قيم تتعلق ببطولة العراقيين بمواجهة الإيرانيين، وتجسيد صورة البطل بشخصية صدام حسين انعكاسًا لموقف السلطة، فإنّ أدب الأطفال في سوريا خلا من هذه القيم التي تخص تلك الحرب، بل خلا من نقل أحداث دمرت مدنًا وشردت فئات من المجتمع وقتلت عشرات الألوف بين أعوام 1979 - 1982، ارتهانًا لموقف السلطة من تلك الأحداث، وتماشيًّا مع صمت وسائل الإعلام العربيّة والغربية عما يجري داخل سوريا حينذاك، إضافة إلى تراجع إنتاج أدب الأطفال كميًّا، إذ استمرّت المجلات مثل "مجلة أسامة" بالظهور، وطبع كثيرٌ من القصص لكن بوتيرة أضعف من السبعينيات، مع انعدام الرؤى التي تؤسّس لشيوع قيمٍ جديدة، ثمّ رجع أدب الأطفال العربي بمظهر نقديّ في التسعينيات محاولَا أن يرسم ملامح منظومة قيمية لأدب الأطفال، فتمّت محاولات تأسيس جديدة من خلال الترجمة والعودة إلى التراث والأدب الشعبي وقصص الخيال العلمي، ولعلّ إصدار جامعة الدول العربية خطتها الشاملة للثقافة العربية عام 1986 المتضمنة تنمية قومية شاملة كانت بمثابة دليل عمل للساعي على درب الكتابة للأطفال، وقد تضمنت الخطة خمسة معطيات وهي:

·         بناء نظرية ثقافيّة عربيّة لمواجهة المستقبل وتغيراته.

·         عصرنة الثقافة العربية للإسهام بالتحضّر الكوني.

·         التكيّف مع البيئات العربية، والاستجابة لكافة الأعمار.

·         التفاعل مع المعرفة والتكنولوجيا المتزايدة، والاستعداد لصراع الحضارات.

·         إقامة أدب وثقافة الأطفال والناشئين تفاعلًا مع تراث الأمّة والقبول بعلوم المستقبل.

كما اشتملت تلك الخطّة على منظومة القيم العربية الإسلاميّة من النواحي:

·         السياسية: تكريم الإنسان، الشورى، العدالة، الحرية، المساواة.

·         الاجتماعيّة: احترام الأسرة والمروءة والعفو والتسامح والتكافل والمسؤولية المجتمعيّة.

·         الاقتصاديّة: تقديس العمل والانتاج والاستثمار والثروات العامة.   

·         الثقافيّة: تكريم العلم والبحث عن أسباب المعرفة والإبداع ومواكبة العلوم العصرية.

وأكّدت منظومة القيم العربية على الثقافة الإسلاميّة وتوجّهاتها الإنسانيّة، وعدّت الأسرة وليس الفرد هي اللبنة الأساسيّة في بناء المجتمع العربي الإسلامي، لكن منظومة القيم التي وردت في خطة الجامعة العربية افتقدت إلى القيم الوطنية والقومية والقيم الجسدية والصحية.

لكن كغيرها من خطط جامعة الدول العربيّة؛ بقيت خطة أدب الطفولة العربيّة حبرًا على ورق، فقد افتقد من أصدر تلك الخطّة للإرادة السياسيّة اللازمة لتنفيذ بنودها، وتبع أدب الأطفال لمؤسسات الدول القطرية، وعكس القيم السياسية التي توجهها وسائل إعلام أنظمة الحكم المتباينة بتوجهاتها.

على الرغم من التقصير الكبير والإهمال المشين بحقّ مراحل الطفولة العربية المتنوّعة من جهة مؤسسات الحكم العربية، وانحراف المؤسسات الدينية عن القيم الأصيلة في ذات الطفل وثقافته وسلوكه، إضافة إلى انعدام الاهتمام بالطفولة لدى تيارات حداثوية عربية، على الرغم من هذا القصور، فقد يجد المتابع كمًّا تراكميًّا كبيرًا، نسبة لأزمنة عربيّة سابقة، من إنتاج أدب الطفولة العربية؛ إن كان منها الكتابيّة أو السمعية البصرية والرقمية والمسرحيّة، ومعظم هذه النتاجات تقوم على مؤسسات خاصّة ومتخصّصة بمجال إنتاجها، والحقّ أنّها لا تشكّل إلّا نسبة ضئيلة من اهتمام الدول المتحضّرة بطفولة بلدانهم، لكن من الممكن أن ينطلق المهتمّون بأدب الطفولة بهذه النتاجات لدراستها وتقويمها، وهذا ما يعوّل بإنجازه على جيل شباب ثورة الربيع العربي، هؤلاء الشباب الذين يقدّمون، بحسب ما يتاح لهم، أعمالًا تتعلق ببناء قيمٍ مجتمعيّة ومعرفيّة وجماليّة منسجمة مع تطلعات ثورتهم التي زلزلت أبنية المجتمع المتخلّفة، وحوّلت أنظمة حكم سياسية إلى جثامين بانتظار من يدفنها، لا سيّما الشباب السوري الذين ارتحلوا خارج أوطانهم، وقدّموا الكثير من الأفلام والمسرحيات والكتابات باعتبارها موجّهة إلى الجيل الذي نشأ بظلّ الحرب الدائرة راهنًا، ولعلّ المتابع أنّ يجد جلّ من كتب من شباب الثورة السورية عن الطفولة البائسة معالجًا آثار الحرب على نفسيات الأطفال المضطربة، على عكس أدب السلطة الرسمي؛ فطيلة سنوات الحرب وهم يستمرّون بمعظم كتاباتهم، وكأنّهم لا يعيشون بالقرب من غمار حرب مدمّرة، بل لا يزالون مستمرّين بممالئة سلطة نظام الحكم التي تحولت بمؤسساتها إلى أحد الأفرقة والجماعات المتقاتلة على أرض سوريا، ومن يراجع أعداد مجلتي "أسامة" أو "الطليعي" أو غيرهما، أو سوق أدب الأطفال في سوريا؛ يتأكّد من هذه الحقيقة، أو من يطّلع على آليات إدارة "اتحاد الكتاب" وإصداراته، والذي صار يضمّ أكثر من عشرة آلاف كاتب؛ يجد مقدار الانحطاط الخلقي الذي يتّسم به عدد لابأس به من أعضاءه، ويلاحظ خاصّة مسؤوليه الامعّات ومرتزقة مؤسسات الفساد السائدة.

أخيرًا وليس آخراً، لابدّ من الانطلاق من حيثيات المقاومة الثقافيّة التي تكشف عن القيم المعيقة لحركة تقدّم الشعوب، والتي تؤسّس لحالة وعيّ اجتماعيّ جديد عماده أدب طفليّ عربيّ جديد، يلفظ تلك العيوب التي سادت قبل انطلاقة ثورة الشباب العربي قبل حوالي سبع سنوات.

أدهم مسعود القاق / مركز آفاق مشرقية

دكتوراه في النقد الثقافي، مدير مركز "ليفانت" / الاسكندرية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.