Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


هل يمكن تحويل السنّة إلى طائفة؟

الكاتب : عماد العبار

2017-09-07 | |

منذ أن رفع الربيع العربي الغطاء عن المجتمعات العربية ظهرت أمامنا العديد من المشكلات، ما لبثت أن استولت على المشهد ككل، وأدّت إلى حدوث تغيير كبير في مسار الأحداث، من بين هذه المشكلات ظهرت مشكلة التنافر الطائفي والاثني وبرز الحديث عنها كواحدة من أخطر التحديات، لا سيّما في بلاد الشام والعراق حيث تتنوّع التركيبة السكانية دينياً وعرقياً.

في سوريا تحديداً، بدأت الجوانب الطائفية للصراع بالظهور مع اصطفاف الغالبية العظمى من أبناء الطائفة العلوية خلف نظام الأسد، ومن ثم مع استعانة النظام بحزب الله اللبناني، وبالنظام الإيراني وباقي المليشيات الشيعية التابعة له، في مواجهة المعارضين له والثوار الذين كانت غالبيتهم من أبناء السنّة، وحجب هذا الصراع الطائفي صراعات أخرى أقل أهمية كانت تجري تحت السطح، كالصراع الطبقي بين الريف والمدينة، والصراع بين الأقلية البرجوازية السنيّة والغالبية من أبناء المناطق الفقيرة الثائرة، والصراع الاثني بين العرب والكرد.

أثار البعد الطائفي للصراع سجالات عديدة، وتعرض المسلمون السنّة إلى اتهامات بالطائفية، رداً على اتهامهم للنظام ومؤيديه وحلفائه بالنيّة الطائفية المبيّتة تجاههم، وهي اتهامات مدعوم بممارسات طائفية ظالمة نالت السنّة خلال عقود حكم الأسد الأب والابن، فضلاً عن المجازر التي ارتكبت بحقهم خلال سنوات الثورة نفسها.

مع دخول تنظيم القاعدة على خط الثورة، وتصاعد دور التنظيمات الجهادية في سوريا، واضطرار عدد كبير من الثوار الذين كانوا في صفوف الجيش الحر للانضمام إلى هذه التنظيمات، تصاعدت حدّة الاتهامات للسنّة بالطائفية، سيّما وأنّ الخطاب الجهادي هو بطبيعته خطاب حاد تجاه الأقليات الدينيّة، ويعتمد في ذلك على بعض فتاوى الشيخ ابن تيمية التي تعود إلى عصر آخر وظروف تاريخية وسياسيّة مختلفة ... وفي ردّ الأكثرية الثائرة على المجازر التي أخذت شكلاً طائفياً صارخاً في بعض المناطق السورية، تعالت أصوات داعية إلى الانتقام الطائفي والردّ بالمثل، ومع أنّ ذلك لم يحصل على شكل مجازر طائفية إلا على نطاق ضيق جداً يكاد لا يذكر مقارنة بانتهاكات المعسكر المقابل، إلا أنّ التهمة بالطائفية باتت متكررة من خصوم الإسلاميين، وغالبيتهم من العلمانيين، فضلاً عن المعسكر الطائفي المقابل والذي يدور في فلك النظام.

لكن هل يمكن فعلاً أن يتحول المسلمون السنّة إلى طائفة بالمدلول الطائفي والاجتماعي للكلمة؟

الطائفة بحسب قاموس المعجم الوسيط هي جماعة دينية تنسلخ عن الاتجاه الديني السائد، أو مجموعة من الناس لديهم فلسفة واحدة وقيادة واحدة، والطائفة هي جزء من الشيء، وهي الجماعة التي يجمعها مذهب ديني واحد أو تتفق على رأي واحد، كما تستخدم الكلمة لوصف أو تصنيف مجموعات من الجماد أو النباتات أو الحيوانات التي تجمع بينها خصائص وأوصاف تكاد تكون متطابقة.

والملاحظ من خلال التعريف اللغوي، والاستخدام الاجتماعي والسياسي للوصف أنّ الانتماء إلى الطائفة يتطلّب ذوبان الأنا الفردية بشكل مطلق في بوتقة الجماعة التي ينتمي لها الفرد، وهذا لا يحدث عادة إلا في الحالة التي يشعر فيها الفرد بتهديد وجودي، ما يدفعه إلى البحث عن انتماء جماعي تغيب فيه حدود الذات الفردية لصالح الجماعة، ويظهر هذا الأمر بشكلٍ أوضح في حال انشقّت الأقلية دينياً أو سياسياً عن الجماعة الأكبر، أو إذا كانت هذه الأقلية تتبنى عقائد وأفكاراً مرفوضةً أو تتصادم مع معتقدات الغالبية.

في الإسلام ترد كلمة "طائفة" عادةً بمدلول مختلف عن الاستخدام الاجتماعي لها، ففي القرآن وردت الكلمة في مواضع عديدة، بعضها في سياق إيجابي: "فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ"، "فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ". كما وردت ضمن سياق سلبي: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا" أو "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ".. فالانتماء إلى طائفة أو جماعة ليس مطلوباً بذاته، ولا مرفوضاً أيضاً من وجهة النظر الإسلامية، والمحدّد الوحيد للانتماء في القرآن هو الحق، ولو اضطر الباحث عنه إلى الانشقاق عن الطائفة أو الجماعة الكبرى أو الصغرى.

لا يعدّ الانتماء للجماعة فوق الحق في الإسلام، ويحتاج تحرّي الحق إلى الكثير من إعمال العقل، وإلى الحفاظ على صحوة الضمير، وإلى حسّ نقدي عالٍ، وهو ما كان يمتاز به الرعيل الأول من المسلمين، وهو ما أدّى إلى خلافات وانشقاقات مبكرة في تاريخ الإسلام، فالإسلام بصفة عامة دعوة إلى التفكير المستمر بما هو سائد ومتعارف عليه بين الناس، وحضّ على تقييم أسس الاتفاق الاجتماعي، وعلى مراجعة الذات والموروث، وعلى جعل الارتباط بالمطلق والولاء للحقيقة جزءاً لا يتجزأ من إنسانية الإنسان ووعيه بالدين، وفي ذلك تقول الآية: "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ".

تشبه الطائفية الحالة الحزبية إلى حدّ بعيد، فهما تقومان على التكتّل وعلى ولاء شبه مطلق للجماعة، بحيث يفوق هذا الولاء أي توجّه فردي مخالف لسياسات الجماعة أو لبعض سياساتها، ويحتاج قدرة عالية على التماهي أو التواطؤ في مراحل معيّنة، والالتزام بالصمت حيال تجاوزاتها الفكرية أو السلوكية، وهذه حالة يمكن اختصارها بــ "العصبيّة"، التي تشير إلى حالة يضع فيها الإنسان انتماءه للقوم فوق أي اعتبار آخر، وبذلك يصبح قادراً على ارتكاب أي فعل بدافع العصبيّة دون أن يشعر بأي تأنيب للضمير؛ بل على العكس، يهيمن الضمير الجمعي للطائفة أو الحزب على الضمير الشخصي، وتغيب المحاكمة العقلية ويصبح الصوت الأعلى للعصبيات والمخاوف الجمعية، والتي تجعل الإنسان يفكر ويتصرف بطريقة ما كانت لتخطر له على بال فيما لو فكر فيها بشكل فردي.

مع تصاعد وتيرة الأحداث والمواجهات بين النظام والثائرين عليه بأكثريتهم المسلمة، أخذت بعض التكتلات الثورية الإسلامية طابعاً طائفياً، وسمعنا بشكل متكرر الحديث عن السنّة كطائفة في معرض النقد والاتهام لردود أفعالها على طائفية النظام، وهنا ينبغي علينا التفريق ما بين طائفية الجماعة من جهة، وبين ظهور بعض مظاهر الطائفية في سلوكها من جهة أخرى والتي تمثل الحالة التي  حصلت مع المسلمين السنّة في سوريا بظهور ردود أفعال يمكن وصف بعضها بالردود الطائفية، غير أن الحديث عن تحوّل السنّة بالمطلق إلى طائفة يفتقر إلى الموضوعية، وهو بتصوري غير ممكن في الأصل.

والحال أن بعض الفصائل المتطرّفة حاولت تطييف السنّة وعملت على خلق عصبويّة دينيّة من خلال إعادة إحياء مفاهيم وتسميات تاريخية تعود إلى عصور سابقة، كالخلافة والإمارة وتطبيق الشريعة، وكانت هذه الفصائل أحد أهم أسباب اتهام الآخرين للسنة بالطائفية، غير أن المتابع يلاحظ أن هذه الفصائل تعرّضت إلى نقد (مبالغ فيه في بعض الأحيان) وإلى رفض من عموم مسلمي سوريا.

لا شكّ وأن غياب التطييف في صفوف السنة كانت له أسباب عديدة، منها مثلاً الانقسام الكبير في صفوف السنّة بين سلفيين وصوفية وإخوان وجهاديين، وهؤلاء تفرّقهم خلافات تجعل نشوء عصبوية طائفية فيما بينهم من الصعوبة بمكان، وكذلك وجود علمانيين في صفوفهم، وهؤلاء منقسمون أيضاً ما بين علمانيين معتدلين ومتطرفين ... لكن العامل الأهم بتصوري هو صعوبة تمرير متطلبات الحالة الطائفية إسلامياً، فالإسلام الأصولي (والأصولية هنا بمعنى المعتمد على الأصول النظرية لا على التاريخ والتقليد، ولا علاقة لها بمصطلح "الأصولية" السياسي المستخدم في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب والتطرف)، فالإسلام الأصولي يتعارض جذرياً مع الانقياد الأعمى خلف قيادة مهما كانت هذه القيادة تتمتع بسمعة ومكانة، كما يتعارض مع فكرة العصبيّة أو تقديم الولاء للجماعة وجعله فوق أي اعتبار آخر، فضلاً عن أن الإسلام يخاطب الإنسان الفرد بوصفه خليفة لله عز وجل، بل إن إسلام القرآن يخاطب الفرد الحامل للرسالة بوصفة أمّة من الناس، ويجعل له من جده إبراهيم عليه السلام مثلاً: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".

بناء عليه، لا يمكن بتصوري أن يتحول الإسلام إلى طائفة إلا في حالة واحدة فقط: أن يصبح شيئاً آخر غير الإسلام الأصولي! لأن الدين الذي يضرب لأتباعه مثلاً إبراهيم الخليل لا يمكن من خلاله تمرير فكرة العصبيّات، وهي تتطلب انغلاق العقل وغياب الشكّ إزاء ما تتواطؤ عليه الجماعة أو الطائفة.. وهنا عند هذا المستوى بالذات ستفشل كل الدعوات الذاهبة نحو التطييف، لأنّ فكرة الإنسان الأمّة، وفكرة الأمّة التي تقوم على أساس توافق جماعات متنوعة متناغمة، تتعارضان حكماً مع فكرة الجماعة المنغلقة على نفسها (أي الحزب والطائفة). عندها يمكن القول بأن أي جماعة تحاول تطييف السنّة (وثمة جماعات محسوبة على السنة تسعى إلى ذلك فعلاً) لن تستطيع بلوغ هدفها هذا إلى في حالة وحيدة ... أكرّر حالة وحيدة فقط: أن تصبح هي ذاتها خارج الإسلام تماماً.

د. عماد العبار ــــ كاتب سوري

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.