Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


فدوى سليمان ... الأنثوية في حراك الثورة السورية بمواجهة ذكورية التلاعب السياسي

الكاتب : أدهم مسعود القاق

2017-08-19 | |

رحلت فدوى سليمان (1970 – 17 آب أغسطس 2017) في أحد مشافي باريس بعد صراعها مع مرض السرطان الذي واجهته إثر تهجيرها القسريّ نتيجة مشاركتها الفعّالة في حراك ثورة شعب سوريا العظيم.

هتفت فدوى للحرية والكرامة في مظاهرات الجامع الأموي وجامع الحسن وساحة المرجة والقابون وقدسيا والهامة والزبداني وداريا، صدح صوتها مندمجًا بأنوثة أصوات نساء ويه دوما عندما رفعنها على أكتافهن وهي تهتف معهن: "سوريا إلنا وما هي لبيت الأسد"، أسهمت فدوى في حراكات معضمية الشام والقدم ودرعا وحمص، وهي المرأة التي أعلنت عن هوية فرضتها عليها الولادة في مهرجان الشهداء في ساحة برزة، عندما قالت: "أنا علوية، جئت إليكم لأعلن اندماجي مع ثورتكم على طائفية النظام وفساد قادته وجهلهم بتاريخ سوريا، جئت لأصرخ بمواجهة الموت الذي تدفع السلطة السوريين نحوه، جئت لأحاول أن أتطهر بثورة شعبي العظيمة".

لا أظنّ أن شخصاً حضر تنمّرها على عناصر دوريات الأمن والتشبيح في شارع الشعلان في قلب مدينة دمشق، الذين اعتدوا على متظاهرين سلميين وضربوهم بالكابلات والجنازير، لا أظنّ أنّ شخصاً بإمكانه أن ينكر شجاعة فدوى ونبلها في تلك المظاهرة ... ثبتت فدوى بمواجهة سلاحهم المدججين به، ورفعت صوت الحرّة داخلها فتجمدوا في أماكنهم وأبدوا هلعًا من صوتها الشجاع المشبّع بفعل الثورة، توارت فدوى حينها بينما غادرت سياراتهم المحمّلة بالمعتقلين، ليتكرر فعل التظاهر مع شباب الثورة من جديد بوجود فدوى.

كانت "فدوى سليمان" تحاول إخراج أبناء الأقليات في جرمانا والسويداء وأرياف الساحل وحمص والسلمية والأحياء المسيحية عن صمتهم وتردّدهم  بالالتحاق بالثورة، وكم من مرّة سُمِعَتْ وهي تدين الطائفيّة ومنها قولها: "آن الأوان لنُسْقِطَ الطائفية عنا حتى لا نورث أبناءنا الحقد والدم ونبقى إلى أبد الآبدين نقتل بعضنا ونكره بعضنا".

كانت فدوى من أوائل الذين شاركوا في مظاهرة الشموع بجرمانا إلى جانب السيدة الجليلة منتهى سلطان باشا الأطرش في 5/4/2011 مع مئات من شباب الثورة، وأوّل من طرح مشاريع لتأكيد سلمية الثورة، كزراعة أشجار الزيتون في الريف الدمشقي، وانتخاب قادة الثورة عن طريق الانتخاب المباشر بوضع صناديق اقتراع في الساحات التي كان الثوار يسيطرون عليها، وهي التي ساهمت في التخطيط لإقامة اعتصامات في دمشق وريفها وهي مع رفاقها الداعية للعصيان المدني.  

بعد دمشق وريفها، التحقت فدوى سليمان بصفوف الثوار في درعا، ثمّ انضمّت لبؤرة الثورة السورية في حمص مع الساروت ورفاقه، التقت معهم وشاركت باعتصاماتهم إلى أن وصل من زرع الفتنة، وصل ممثلو أحزاب الردّة وطائفيتهم المقيتة المغلّفة بشعارات حداثية، وصلت سلطة الموت ووجهها الآخر من التكفيريين، فاخترقوا ميادين الثورة وتنظيماتها وشرعوا في سياسة التخريب وخلق الفتن بين أبناء الثورة.

لم تسمح فدوى لنفسها أن تهدأ أو ترتاح منذ انطلقت الثورة، كانت رمزًا للصوت الأنثوي الثائر في مواجهة ذكورية الطغيان والقهر والطائفية والفساد والجهل، وظلّت منضوية تحت ألوية الحراك الثوري مسهمة في مقاومة سلطة الموت؛ قاومت بغضاء الطائفية وأحقاد التكفيريين وانتهازية أحزاب علمانوية انقسمت وانضمّت بقاياها تحت ألوية إحدى الفرق الثلاثة "السلطة أو الطائفة أو التكفير"، بعد أن كالوا لها ولرفاقها في حراك الثورة التهم والتلفيق والكذب، واتهموهم بالتطرف وبتوريط شباب الحراك بالمواجهات مع السلطة وبإسهامهم بأسلمة الثورة، ثمّ اتهامهم بمعاداتهم للثورة عندما ترفعّوا عن الدخول في صفوف هيئة التنسيق والمجلس الوطني والائتلاف وغيرها من مؤسسات بُنِيَتْ بعيدًا عن فعاليات حراك الثورة، وقد قالت فدوى في هذا الصدد: "إني أستشعر بأن هناك قوى وأحزاب تلعب بنا، وتحاول ركوب الثورة السورية لتنحى بها باتجاه مصالحها، وتسعى إلى تسليح الثورة ودعم فكرة أن نظام الأسد لا يسقط إلا بالسلاح"، لذلك لم يتسامحوا معها ومع رفاقها، فكالوا التهم السخيفة لهم، وأساؤوا لسمعتهم ولحراك الثورة السلميّ بتوزيع تهمٍ مكرورة على مدى عمر تنظيماتهم السياسية المجوفة التي كشفت الثورة عن زيفها وكذبها، مستخدمين أساليب المماحكات السياسية وفهم الصراع على طريقة "الأمناء العامين" لهذه الحويزبات، كتدبير مؤامرات صغيرة ورخيصة لخصومهم داخل تحالفاتهم، إضافة إلى تصنيعهم لصبية يأتمرون بأمر الأمين العام، من دون أن يحسب هذا الأمين العام حسابًا أنّهم قد يلعبون دور الصبية لغيره كما حدث بالفعل في سلوك القائمين على المسار السياسي السوري.

لقد سهل أمر "التبعية" على هؤلاء كل من يقربهم من مواقع التسلّط مرتكزين على ذاك الكم الهائل من منظمات الدعم المالي والتدريب البشري استعدادًا لوهم قيادة المرحلة الانتقالية التي وُعِدُوا بها بعد سقوط النظام، فقد توهم أولئك الساسة الفاسدون استلامهم للسلطة؛ فنسوا الثورة وحراكها ونسوا تقديم برنامج عمل أو رؤى سياسية تساعد الثوار على الأرض، فأسهم ساسة المعارضة هؤلاء بإطالة عمر الثورة، وأعطوا لسلطة التغوّل فرص سفك دماء شبابها، فلابدّ أن أن يعترفوا أولًا عن أخطائهم، وثانيًّا أن يتحمّلوا قدرًا من المسؤولية عن حجم الموت والدمار والتهجير والاعتقال الذي تضاعف نتيجة تسويفهم وترددهم ومداهنتهم لقوى خارجية، وهم لا يزالون مصرّين على استكمال دورهم في النهب وإنهاء الثورة لمصلحة قوى خارجيّة قامت بتعليق "جزرات" بأعناقهم.

عادت فدوى من حمص، والتحقت بحراك ريف دمشق، وتوارت هناك تجنباً لملاحقة الشبيحة والمخابرات الذين أرادوا اغتيالها، إلى أن استطاعت بجهود ثوار الغوطة الخروج والوصول إلى فرنسا، هناك تابعت عملها بعيدًا عن فعاليات الأوساط السياسية الفاسدة، وتابعت دربها في المقاومة الثقافيّة، محاولة أن تجد المناصرين للثورة السوريّة في أوساط المجتمع المدني الأوروبي المتضمن تيارات مجتمعيّة تسعى على دروب جعل التحضّر الإنساني أكثر إنسانية، ووصلت فدوى إلى بعض قطاعات الأطفال في المدارس الفرنسية، إلا أنّها عجزت عن إقناع مؤسسات السلطات المافياوية المتحكّمة بمصائر شعوب الأرض التي لا تزال تحارب الثورة السوريّة هلعًا من امتداداتها التي فيما لو حصلت ستغيّر وجه تاريخ المنطقة برمتها.

"فدوى سليمان" التي كان لها دورٌ فاعلٌ في كشف موبقات "الأحزاب المهزلة" التي أساءت للثورة وشبابها بتدخل قادتها منصبين أنفسهم أوصياء على كل الفعاليات السياسية، فدوى التي كفرت بالسياسة ولجأت إلى المقاومة الثقافية عن طريق المسرح، فألّفت مسرحية العبور عام 2012 وشاركت في كثير من المسرحيات التي تدافع عن ثورة اتسمت بالنبل والشرف الرفيع، ثمّ كتبت الشعر ونشرت ديوان "كلما بلغ القمر" عام 2013.

انتصرت الثورة يا فدوى؛ بسلوك أبنائها عندما اندمج أفرادٌ من الأقليات ومن العلمانيين في ساحات الثورة وميادينها إلى جانب الشباب الإسلامي الذي صحى من غفوته وأعلن تمثّله للمنجزات الحضارية الإنسانية العلميّة والاجتماعيّة، ورفع شعار الحرية والديمقراطية من أجل بناء الدولة المدنية التي تحترم مواطنة الفرد كذات فاعلة بمعزل عن انتمائه الذي ولد به، كما قبل أولئك الشباب بنتائج الثورات العلميّة من دون إخضاعها لمعايير أسلافنا المعرفيّة، مشتركين بذلك مع الشباب العلماني والمعاصر.

لقد انتَصَرْتِ يا فدوى للثورة التي انضمّ لها كثير ممن أهملهم النظام وهمّش فعالياتهم، فاندمجوا بفعالياتها رغبة في تطهرهم مع فرسان ساحاتها، انتَصَرْتِ يا فدوى للثورة عندما كانت المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل في الشوارع والساحات تصدح بصوت الحرية والكرامة، وعندما التحم المسلم مع المسيحي، الكبير مع الصغير، الإسلامي مع العلماني، الطلاب مع العمال والفلاحين ... كان الجميع يطالب بالحرية وبإسقاط النظام القاتل المتغوّل الطائفيّ.

أخيراً؛ ترجلت الفارسة عن صهوتها، انتصر السرطان على فدوى وأودى بحياتها نيابة عن صنوه نظام الموت البعثي وسلطات الطائفة والشبيحة والتكفير وهيئات المعارضة المهزلة ... تحية لذكراك يا فدوى، لقد انتصرت روحك الطهورة على الاستبداد والجهل والطائفية والتكفير وبؤس الساسة المأجورين، انتَصَرْتِ مع الثورة بلحمتكِ مع فعاليات حراكها حتى آخر لحظات حياتك.

أدهم مسعود القاق / كاتب سوري

مؤسس وباحث في مركز "ليفانت" / الإسكندرية

مركز آفاق مشرقية

ملاحظة المحرر: ما أشار له كاتب المقالة من مشاركات للراحلة فدوى سليمان في الحراك السلمي للثورة السورية في دمشق وريفها، كان لوقائع موثقة للراحلة شاركت فيها الكاتب تلك الفعاليات الثورية الميدانية.

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.