Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


الثورة السورية ... ما العمل؟

الكاتب : فواز تللو

2017-07-09 | |

في أكثر من مناسبة وعلى مدى سنوات الثورة وَجَّهْتُ السؤال التالي إلى سياسيين "مفترضين" يتصدرون المشهد السياسي والتفاوضي المعارض، وإلى قادة فصائل عسكرية صغيرة وكبيرة، وخلال مراحل عديدة في الثورة: "ما هي رؤيتكم وما هي استراتيجياتكم السياسية والعسكرية وبالتالي سياساتكم الإعلامية والتنظيمية وغيرها كثير، ومن سيقوم بتنفيذ ذلك وكيف؟؟؟" ... والحقيقة لم أتلقى جواباً شافياً من مراوغ منغمس في حفظ كرسي في الواجهة، ولا من معظم متصدري الواجهة السياسية الذين يرددون كالببغاوات بيان جنيف وفيينا، والحل التفاوضي، وألمهم ورغبتهم في وقف شلال الدم وغيرها من شعارات فضفاضة لا تعرض أي رؤية، كما لم أتلقى أي جواب من أي منخرط في العمل العسكري بل حيرةً في هذا السؤال الذي لم يفكر به احدٌ منهم، فهم مستعدون فقط للقتال والموت في أفضل الأحوال، وفي أسوأها بات البعض منهم كما متصدري المشهد السياسي مستعدون للتفكير فقط في استراتيجيات بقائهم في الواجهة.

الجواب على هذا السؤال البسيط البديهي عن الرؤية والاستراتيجيات والسياسات والأدوات هو الذي تبدأ به  الإجابة على سؤال الثورة السورية أمس واليوم وغداً: "ما العمل؟"، سؤال بديهي مبدأي يقتضي فعلاً بديهياً كان من المفترض أن ننجزه منذ تشكلت أول قيادة سياسية للثورة، أمرٌ لم يفعله كل من تصدر المشهد السياسي خاصة، وانعدم الوعي به من قبل قادة الثورة المسلحة الذين فسد بعضهم لاحقاً ليتحول إلى ميليشيا لا ثورة، فـ "ما العمل" يبدأ بالتالي:

أولاً، وضع رؤية واستراتيجيات سياسية عسكرية للثورة.

وثانياً، تبنيها من قبل مجلس قيادة سياسية/عسكرية واحدة للثورة يتم تشكيلها من قبل بضع قادة سياسيين وعسكريين يعون الخطر مستقلين في قرارهم، وهو أمر لا يعني أبداً معاداة الحلفاء أو المجتمع الدولي بل التعامل معهم بندية وتبادل مصالح عامة موجودة لا حاجة لاصطناعها، لا التعامل معهم بتبعية عبر مصالح وطموحات شخصية وحزبوية رخيصة، ومن الآخر ... هي صفات لا تنطبق على معظم من تصدروا المشهد السياسي وتلوثوا وفشلوا، ولا على بعض من القادة العسكريين حتى لو تمتعوا بالإخلاص لكن بانعدام الوعي، لذلك وممن هنا أقول أن قائد  هذا المجلس لابد أن يكون سياسياً استراتيجياً يحمل حزم العسكري.

وثالثاً، يقوم هؤلاء السياسيون المحترفون المخلصون، والقادة العسكريون بتشكيل نواة توحد اندماجي يبدأ ببعض الفصائل العسكرية، ومن ثم عرض المشروع تدريجياً وعلى التسلسل، بدأً بالفصائل الصغيرة وصولاً للكبيرة، مع إبعاد بالقوة وإن احتاج الأمر تصفية القادة أو الأفراد المعارضين للتوحد لدمج فصائلهم في هذه النواة بالقوة إن لم يفلح الإقناع.

هي أمور تتعظم فيها المكاسب السياسية نتيجة العمل العسكري، ويتحول الإنجاز العسكري إلى مكاسب سياسية ويتم تعظيم نتائجه من خلالها، فلا يتحول السياسي إلى بهلوان كما حصل، ولا يتحول التنظيم الثوري المسلح إلى ميليشيا كما يحصل تدريجياً، ولا تضيع كل هذه التضحيات وسط البازار الدولي والإقليمي كما يخُطط له.

لا خروج من الوضع الحالي إلا بذلك، ولا إمكانية للانتصار لاحقاً إلا بذلك، وبدون ذلك ستسوء الأمور أكثر، ويتعقد الوضع أكثر، ويطول الأمر أكثر، وستفلت ثورتنا من بين أيدينا أكثر، وما عدا ذلك إما كذب وخداع من قبل مرتزقة المشهد السياسي والتفاوضي الحالي، أو تفاهة من قبل قادة عسكريين يتم التلاعب بهم من قبل كل العالم، وفي الحالين يمثل ذلك جريمة بحق الثورة تصل إلى ما يوازي الخيانة من قبل البعض حتى لو حسنت نيتهم.

لكن، أنتقدُ كثيراً في الثورة فيسألني كثيرون عن حق "وما العمل؟"، وينتقد آخرون موقفي الناقد بلا فعل كما يقولون، لذلك لابد عن لمحةٍ لأجيب عن كثير من النقد الذي يوجهه البعض لي عن حق ما دمت صامتاً، ولذلك سأسرد بعض الوقائع التي يمكن من خلالها معرفة ماذا حصل ولماذا حصل للثورة وليس بحقي، وبنزع إسمي من سياق العرض التالي لمن شاء، فالأمر الذي سأعرضه ينطبق على مجرى أحداث هي أهم وأعم من إدراج اسمي أو نزعه منها، تفاصيلها الشخصية لا مكان لها في هذا العرض بل في مذكرات شخصية قد أكتبها يوماً.

لقد حملت مشروع وضع رؤية واستراتيجيات وإنشاء مجلس قيادة سياسية/عسكرية واحدة حقيقية فعالة للثورة منذ خرجت من سوريا عام 2012، وكان العمل على هذا المشروع البديهي أحد أسباب خروجي (بالإضافة للخطر الأمني الشخصي)، حيث كنت عضواً في المجلس الوطني (بشكل سري قبل خروجي) ولي نشاطات ميدانية مع شباب الثورة في دمشق والغوطة كسياسي لا علاقة لها بكوني عضواً في المجلس الوطني، وبعد بضعة اشهر من خروجي من سوريا وعدة محاولات لإصلاح المجلس الوطني ليواكب هذا المشروع والمهمة البديهية المبدئية بدل ركوب الثورة، محاولات جيرها البعض لمكاسب شخصية وعلى رأسهم شركاء المعارضة السابقين وبعض القافزين الجدد إلى الواجهة، بعد ذلك ولإدراكي لانعدام فرصة إصلاح المجلس وفق هذه الرؤية؛ غادرت المجلس الوطني عارضاً في استقالتي مضمون نفس الرؤية التي ذكرتها أعلاه (ولو باختلاف شكلي يلائم تلك المرحلة)، والاستقالة موجودة على صفحتي وفي شبكة النت ببحث يسير.

في المرحلة الثانية وبعد بضعة أشهر وبسبب مواقفي هذه بالإضافة إلى رفضي التبعية ورفضي تحويل مهمتنا  كسياسيين إلى "دكاكين" شخصية وحزبوية رخيصة كما فعل معظم من تصدر المشهد، نتيجة لكل ذلك تم استبعادي من مكاني الطبيعي يومها في الائتلاف الوطني في نسخته الأولى، وقد ساهم في ذلك حتى من عرفتهم في غدر سياسي وشخصي، وأذكر ما نُقل لي عن لسان أحد مهندسي تشكيلا الائتلاف قبيل تشكيله "فواز عنيد لا يقبل بالحل السياسي الذي يطرحه المجتمع الدولي (أي الشراكة مع النظام وفق جنيف) لذلك لن يرضى عنه الرعاة" ... أمر يبين أن هدف تشكيل الائتلاف أواخر عام 2012 (وهو ما أعرفه ولدي عليه أدلةً عرضت بعضها في مناسبات سابقة)، كان التفاوض مع النظام الأسدي وفق جنيف التي اعترفت به شريكاً (وليس استبعاده كما يرددون كذباً) ونرى وضوح الأثر المدمر لذلك في ما جري وما وصلت له المفاوضات (بل التنازلات والاستسلام السياسي) اليوم، فبدل العمل ف نهاية عام 2012 على دعم الثورة بالسلاح  وتوحيد قواها العسكرية (كما كانوا يروجون كذباً لكسب الشرعية للائتلاف)، وبدل من العمل سياسياً على التوازي لدعم هذه الخطوات العسكرية (فالنظام لن يسقط إلا عسكرياً)، وبدلاً من استثمار تلك اللحظة الثمينة وقد كادت الثورة تُسقط النظام عسكرياً أواخر عام 2102 حتى منتصف عام 2013 حيث لم نكن نحتاج لكثير من العمل والتنظيم السياسي والعسكري لإنجاز ذلك، بدلاً من ذلك تم تضييع هذه الفرصة الثمينة يومها وتم تحويل المجرى بالتركيز على "المفاوضات" كما يرغب الرعاة الدوليون المتآمرون مع النظام وتُرك العمل العسكري يتخبط بلا ربان سياسي وبلا سلاح، وتُرك الإيراني يتدخل بلا محاسبة لإنقاذ النظام الأسدي المتداعي (ومن بعده الروسي)، ونرى اليوم مدى فداحة الفشل في استثمار تلك اللحظة التاريخية ومدى جريمة المسؤولين عنه.

بعد تشكيل الائتلاف بشهرين أحسست بأن صوتي وأنا بعيد عن الواجهة بات ضعيفاً لإيصال هذه الرؤية والتأثير في مجرى الأحداث وقد كانت فرصة إنهاء النظام الأسدي عسكرياً وسياسياً باليد وتحتاج إلى استثمارها وتعظيمها قبل ضياعها، فطلبت من بعض من أعرف داخل الائتلاف العمل على ضمي للائتلاف، لكن لم يقدموا أي مساعدة كل لأسبابه التي لا تمت للعمل السياسي المخلص أو للوفاء الشخصي بصلة، فطلبت منهم نسيان الأمر، وعلى التوازي وكما قبل تشكيل الائتلاف؛ حاولت مع نفس البعض لتشجيعهم لنعمل معاً لإنشاء هذه القيادة العسكرية/السياسية للثورة ولو عملنا من خارج الائتلاف (وقد كانوا فيه) كل منا بما يملك من مصداقية وخبرة في مجاله، لا لنتصدر القيادة بل المساهمة في إنشاءها وقد نكون أو لا نكون جزءً منها، لكن وكما قبل تشكيل الائتلاف كانت محاولاتي مع هؤلاء بلا جدوى، واستمرت محاولاتي معهم بعد ترك بعضهم للائتلاف لكن أيضاً بلا جدوى.

قبل توسعة الائتلاف عام 2013 عُرِضَتْ علي فرصة الدخول في التوسعة التي "ستسيطر على الائتلاف" كما قيل لي، لكن رفضي للتبعية وفق تيار سياسي لا أنتمي له، ووفق مشروع غير واضح ثبت لاحقاً ارتباطه بنفس سياقات المصالح الحزبوية والشخصية، أدى ذلك لابتعادي ومن ثم استبعادي من نسخة الائتلاف الثانية وربما كان في ذلك كل الخير فقد انتهى الائتلاف ودوره تدريجياً بعدها ليصبح اليوم كما هيئة التفاوض ومجموعة أستانة؛ هياكل ميتة سياسياً ومجرد دكاكين لأصحابها.

خلال عام 2014 حملت هذا المشروع الذي أوردته في المقدمة وتحركت بما تبقى لدي من إمكانياتٍ مالية ذاتية بسيطة، لكن لم أستطع المتابعة بسبب الحرب الخفية المستمرة لإبعادي عن أي إمكانية تأثير (من قبل نفس الجهات والأشخاص)، وبسبب نفاذ كل ما أملك، وأخيراً بسبب عدم تبني المشروع من قبل قوى إقليمية حاولتُ الاتصال ببعضها أكثر من مرة (أعوام 2012، 2013، 2014) حاملاً المشروع لكن أصحاب المصالح الحزبوية والشخصية (سوريين وغير سوريين) كانوا دائما لي بالمرصاد لدى هذه الجهات الإقليمية التي تدفع اليوم ثمن سياساتها هذه وترك الأمر في يد هؤلاء الأفراد ليتلاعبوا بها (ويسرقوا ما استطاعوا)، في ضحالة سياسية تتحملها هذه الدول وأصحاب القرار في أجهزتها السياسية والعسكرية والاستخباراتية الذين أوكل لهم الملف السوري، وما التمدد الإيراني في المنطقة، والعربدة الروسية الدولية والإقليمية، والغدر الأمريكي لتهجير العرب السنة في المنطقة، والمشاريع الانفصالية، وغيرها من مظاهر فشل ستطيح بأنظمة المنطقة، ليس كل ذلك إلا نتاجاً لفشل المعارضة السورية أولاً ولفشل حلفاء الثورة وأخطائهم الكارثية في الملف السوري ثانياً، فمن سوريا والملف السوري والثورة السورية يحقق الجميع النصر أو سيُهزمون.

اليوم وغداً وبعد عشر سنوات، لا أحد سيستطيع التأثير إيجابياً بالاتجاه الذي نريد في مجرى الأحداث الحالي غير المرضي لنا؛ إلا إن حمل المشروع الذي ذكرته في المقدمة، مشروع بديهي لا يحتاج إلى عبقرية لاستنتاج الحاجة له أو لتحديد خطوطه الرئيسية التي ذكرتها، مشروعٌ إن وُجد حليفٌ إقليميٌ يساعد به كان بها، وإن لم يوجد فعلينا صنع مشروعنا بأنفسنا بعيداً عن رغبات الآخرين، مشروعٌ كلما تأخرنا به كلما ابتعدنا عن تحقيق أهداف ثورتنا وزادت التضحيات المجانية وتعقد أكثر المخرج والملف السوري.

هو مشروع يحتاج من يملك وعياً وخبرة وتصميماً ووضوح رؤيةٍ وصدقاً، لم يمارس التقية السياسية الانتهازية، ولم يُلَوِّثَ أو يتلوث مالياً أو سياسياً، وكما أعلنت دائماً بعيداً عن الاستعراضات، وكما قضيت السنوات الست الماضية أعمل له بعيداً عن الأضواء بما استطعت (مع مبادرات وأحداثٍ أخرى لا يتسع المجال لها هنا ربما أفصلها في سياق مذكرات شخصية)؛ فأنا مستعد من موقعي وخبرتي كسياسي للمساعدة في إنتاج هذه القيادة السياسية/العسكرية التي ستقود الثورة بإذن الله ووفق سننه إلى النصر الناجز، والتي بدونها سنبقى نتخبط ونبذل التضحيات الجسام ونضيعها في جريمة بحق كل من بذل للثورة، من شهيد ومعتقل ولاجئ ونازح ومعاق وكل من خسر من ماله ووطنه ومستقبله وأحبائه وجسده، لذلك أرجو وبعد نزع اسمي من السياق والتركيز على الأحداث التي ذكرتها، أرجو العودة لقراءة مقدمة هذا العرض على الأقل، لنعرف كيف نتقدم إلى الأمام، ولنعمل عليه كل من موقعه، ولنوصل هذه الرسالة لحلفاء الثورة لمن استطاع، فالطريق طويل ويحتاج رشداً يقوده، وسنناً لاتباعها، وليس فقط تضحياتٍ ستضيع بدون ذلك.

فواز تللو – سياسي وكاتب سوري

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات
فواز تللو

عتب البعض لأنني أشرت إلى دور يمكن أن يمارسه حلفاء الثورة في تشكيل هذه القيادة وتاريخ ذلك لا يبشر بخير ... ومع أنني قلت انني أشرت في المقال أنني لن اتوسع في التفاصيل لكنني سأشير إلى تجربتي المريرة مع بعض قادة أو ممثلي الفصائل المقاتلة الكبرى في مراحل مختلفة حيث كان اهتمامهم عند عرض هذا المشروع يبدأ وينتهي بسؤال واحد يطرحونه: ما رأي هذه الدولة أو تلك بالمشروع ودعمها له!!!! ... فكيف نتجاوز هذه الدول الإقليمية بأمثال هؤلاء ... الأمر الثاني حول انتقاد عجزي عن جمع المهتمين حول الموضوع بجهد ذاتي ... وهنا أشير إلى أن "الناس دائماً مع الواقف" كما في ثقافتنا وأمثالنا، أي من لديه مال أو نوع من السلطة، ولست من الاثنين خاصة لعدم تصدري مشهد المعارضة (أي وهم السلطة)، لذلك سيلتف الناس حول هذا الواقف مهما كان سيئاً، ووالله لو جاء عمر ابن الخطاب لتركه الناس ومشوا خلف اللصوص أو الأدعياء أو الجهلة أو المتسلقين او الانتهازيين الذين تصدروا المشهد، وهذا ما حصل ويحصل.

| 0

من فواز تللو

فواز تللو

الأخ الكريم mahdi hamwi ... أشرت فقط إلى الخطوة الأولى متمثلة بالنقاط الثلاثة في المقدمة المتمثلة بتشكيل قيادة تضع رؤية واستراتيجيات وتطبقها بعد توحيد الفصائل ولو بالقوة ... أما عن الاستراتيجيات فلها مكان آخر يمكن عرضها للأصحاب العلاقة إن كان لديهم اهتمام ولا يتسع الموضع هنا لعرضها.

| 0

من فواز تللو

mahdi hamwi

مافهمنا شيء عن الإستراتيجيه القادمه في المقال ، كما ذكر بالمقدمه

| 0

من mahdi hamwi

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.