Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


التعود القاتل

الكاتب : سوزان أحمد

2017-06-06 | |

خسر "سامي" الأستاذ الجامعي عمله في المعمل التركي بعد أن قام مجموعة من "زملائه السوريين" في العمل، قاموا بـ "الواجب" وأقنعوا المدير بضرورة طرده ليتسنى لهم جلب أحد أقربائهم لملء الشاغر، وكالعادة، بدأ سامي مجدداً رحلته اليائسة والمقلقة للبحث عن عمل ببلد أجنبي ليس له فيه سند، أما "منى" وهي صيدلانية وأم لثلاثة أطفال، فقد ودعت ضيوفها بعد انتهاء "الصبحية" التي أقامتها في منزلها لجاراتها السوريات، وقد اعتادت في بلد المهجر أن تكون ربة منزل تعنى بأطفالها وتقوم على الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية مع جيرانها العرب والأجانب.

أما "أيمن" الذي خرج من امتحان أصعب مادة في اختصاصه فما يزال يفكر فيما كتب ويحسب علامات نجاحه، وقد اعتاد منذ مغادرة سوريا نمط الحياة السريع؛ فمن حضور محاضراته الجامعية، إلى ساعات الدوام في عمل يحفظ له كرامته، إلى حضور اجتماعات والمشاركة في تنفيذ أنشطة لخدمة بلاده، وكذلك كانت "نور" التي واجهت مشاكل جمة مع عائلتها وقد اعتادت نمط الحياة ذاته، فهاهي تقف بالمحطة لتستقل القطار بعد أن قضت ساعات عملها لتكسب رزقها متجهة إلى مكان عملها التطوعي لتخدم السوريين المهجرين من خلاله.

لا علاقة بين سامي ومنى وأيمن ونور، إنما هم شباب سوريون ساهموا في الثورة وحملوا هم الوطن لكن كل بطريقته، فسامي المعتقل السابق والذي طالما راودته فكرة الانضمام للثوار والقتال في وجه النظام، بات الآن يحمل هم الوطن في صدره فقط وانشغل بشأنه الخاص وجرفه تيار الحياة وتراجعت مهمة العمل من أجل الوطن على سلم أولوياته أو ربما سقطت عنه تماماً، ومنى التي كانت تعالج الجرحى من الجيش الحر سراً في صيدليتها وتهرب الدواء للمناطق المحاصرة بسيارتها، باتت الآن ربة منزل بامتياز تذكر أيام نشاطها الثوري بفخر وتتحسر على ما آل إليه الحال وترضي ضميرها بعبارت مثل "كلهن أضرب من بعضهن" وركنت لحياتها الجديدة، أما أيمن الذي اعتاد أن يصدح بالهتاف في مظاهرات دمشق، فقد بقي يصدح بالمظاهرات في المهجر، وكرس الكثير من وقت راحته للدفاع عن المعتقلين والمطالبة بإطلاق سراحهم من سجون النظام، وكذلك نور التي لم تدخر جهداً في التطوع بالمشافي الميدانية في الداخل السوري، بقيت تقتطع يومياً جزءاً من راحتها لتساعد وتقدم الدعم للأطفال السوريين المهجرين.

بسبب ضغط الحياة وظروف الهجرة والوضع العائلي تغيرت الأولويات والأهداف والطموحات لدى الكثيرين منا وهذا أمر طبيعي، لكن؛ من يدفع ثمن انشغالنا عن العمل من أجل الوطن حتى لو كنا بعيدين عنه؟! نعم إننا أول الخاسرين بقعودنا عن العمل من أجل قضيتنا بالرغم من أي مكسب آخر نحاول أن نقنع أنفسنا به، وهل نسينا الجيل القادم وأطفالنا وأنهم هم من سيكون الخاسر الحقيقي ويدفع ثمن تفريطنا وإهمالنا لبذل أي جهد أو المشاركة في أي عمل مهما صغر لخدمة ثورة القرن وشعب سوريا!

لطالما عاب الثوار على "الرماديين" حياديتهم في هذه الثورة ولم يغفروا حتى للمقربين منهم الوقوف على مسافة واحدة من الظالم والمظلوم، فكيف أصبح حال معظمنا اعتياد القتل والدمار والمعاناة والاستمرار في الحياة بالرغم من هذا! نعم نحزن لخبر الاعتقال والقصف والموت ولكن بتنا نتابع حياتنا بشكل مشوه متشاغلين بشأننا الخاص ومتناسين المصلحة العامة وواجبنا تجاه وطنٍ أشعلنا فيه ثورة الكرامة ثم استسلمنا لتيار الحياة.

إن فَشَلَنَا في أن نكون قدوةً حسنةً أو أشخاصاً إيجابيين سيجعل منا حتماً أشخاصاً سلبيين ومسيئين، وبهذا نصبح جزء من المشكلة ونصبح عبءاً ثقيلاً على كاهل الوطن المكلوم، فلا شفاعة اليوم لأي قاعد في أي بقعة بالأرض، فالكل يستطيع أن يصنع فارقاً أو يؤثر حتى بإمكانيات بسيطة وأماكن جغرافية بعيدة، فاحذروا الاعتياد، إنه مرض خطير يستشري بيننا، واحذروا الاستسلام للوضع والظرف وتيار الحياة، فجيل الثورة لم يخلق لهذا.

 سوزان أحمد / صحفية سورية

آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.