Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


الثورة السورية بين سلطة الشعب وسلطة الكهنوت

الكاتب : هشام اسكيف

2017-06-03 | |

كانت المناطق المحررة من قبضة الاسد مناخاً حيوياً للكثير من القوى الطامحة بشكل أو بآخر للسلطة سيما وأن اندحار قوات الاسد وشبيحته من هذه المناطق شكل عبء على الثوار في بداية الأمر نظرا لمسؤولية الإدارة والحاجة الملحة لإيجاد آليات ضبط وحل للخلافات الناجمة عن سير الحياة الطبيعية في هذه المناطق خاصة حلب الحاضرة الأكبر التي تم تحرير جزء كبير منها ريفاً ومدينة والتي أكتب عن تجربتها، فمع بروز القوى الثورية في القضاء وبدء محاولاتهم في حلب لإنشاء سلطة قضائية تمهد لخروج القوة العسكرية من الحياة المدنية، كان هناك طبقة أخرى طامحة للسلطة لكن بشكل أخطر من أي قوى أخرى لأنها تدعي مشروعية وجود وسلطة دينية شرعية وبالتالي إلهية، إنها سلطة "المشيخة/الكهنوت"، تلك الطبقة التي بقدر ما همشها نظام البعث وحصر نشاطها في أضيق الحدود في المجتمع بقدر ما ولد ذلك لديها شعوراً بالمظلومية أعطاها حافزاً قويا لتكون قوة عطالة تعيق بروز المشروع الوطني، وليشكل هذا الاقصاء حافزاً لطموح غير مسبوق للتسلط باسم الله، ولتجد في الثورة مناخاً وضرفاً خصباً للتنفيس عن مركبات النقص السلطوية التي تحملها عبر استغلالها لحاجة الناس لسلطة تنظيمية بعد الفوضى التي تلت مرحلة التحرير.

هذه الحاجة الملحة التي أدخلت هذه القوى ساحة السلطة، وهي حاجة المجتمع الى قواعد تنظم شؤونه في نشأت نتيجة غياب قانون ناظم في ظل نقمة على منظومة الاسد ككل ومن بينها منظوماته القضائية والقانونية، فبرزت الحاجة الى جملة قواعد تنظم عودة المجتمع للقانون، وكان مفهوم الشرع الإسلامي أقصر الطرق كونه يشكل حالة ردعية ذاتية مرتبطة بمفاهيم الحلال والحرام، كما وتتداخل مع منظومات أخلاقية اسلامية يمكن أن تكون جدارا استناديا يحمي المجتمع من ردات الفعل التي سادت في الفترة الأولى للتحرير، لكن وفي ظل انعدام مبدأ قوننة للشريعة، ذات اعتماديةٍ مُحْكَمَةٍ ذات وثوقية عبر استنباط قوانين ناظمة مستقاة منها تشكل مواد قانونية تسهل القياس وتطبيق الأحكام وتمنع الكيفية أو المزاجية التي ممكن ان تحصل عليها، في ظل غياب هذه القوننة نشأت نسخة منها قد تصلح لتلك الظروف الطارئة ولفترة مؤقتةً لكنها لم تكن قابلة  للاستمرارية العمل بها.

لكن هذه الحاجة لتنظيم أمور المجتمع كانت في نفس الوقت البوابة التي دخلت منها طبقة المشيخة/الكهنوت عبر ادعائها تمثيل سلطة الله في الأرض على الناس، وبدلاً من تلبية طموحات السوريين في  حيازة شرعية السلطة واستعادتها من أيدي أجهزة الأمن وايداعها في عهدة الشعب الذي يختار ممثليه وحكامه ويشرف على تداول السلطة، بدلاً من ذلك جرى تحويل السلطة إلى يد طبقة تدعي تمثيلها سلطةً إلهية يقومون بها باعتبارهم يم ولاة أمر يرعون شؤون "رعية" لا مواطنين لهم حقوق مكتسبة وعليهم واجبات، لينشئ هؤلاء بيئة وبنيةً مشابهة في تسلطها للنظام الأمني وواجهته حزب البعث، لكن بمنطق "شرعي"، تماماً كطبقة "الملالي" التي تمسك بتلابيب الحكم متعديةٍ تمثيلها لحاكمية الله عبر الولي الفقيه، لتروق هذه الفكرة لطبقة المشيخة/الكهنوت رغم اختلاف الطرفين مذهبياً ليتفقا في الانطلاق من نفس المبادئ والقواعد باعتبارهم خلفاء الله في الأرض لتطبيق شريعته.

وهكذا بات الأمر حالةً سلطوية تستمد شرعيتها ليس من الشعب بل من الله بحسب تأويلها للحاكمية والنصوص باعتبارها طبقةً مسؤولةً عن رعاية تطبيق شرع الله وحدوده بالكليات العامة وليس بالقانون المنجز، وبالفتاوى المختلفة لنفس القضية وليس بإنجاز نقلة عصرية لجعل التشريع الاسلامي ثورة في القانون وتحويل الاحكام الى منجز قانوني يستوعب كل مجريات العصر وينظمها.

بهذا المعنى والسردية تسلطت طبقة المشيخة/الكهنوت وتمسكت بهذه السلطة إلى حد الجنون، ولم تتورع عن ملاحقة واعتقال الذين لا يرون فيهم مؤسسة قضائية مؤهلةً لشغل مهام بهذا الحجم من الخطورة، مما ولد صراعات فكريةٍ جند لها هؤلاء وبشكل انتقائي ملتوٍ كل التاريخ والتصنيفات التي تعود إلى قرون التخلف من قبيل تصنيفهم للمعارضين لتسلطهم على الثورة وحسب طبيعة الصراع؛ بأنهم " مرجئة" أو "صوفية" أو "أشعرية" أو "معتزلة"، حتى لتشعر وكأنك تتجول في كتب الجاحظ وبلاط المأمون وأنت تستمع لاستعراضاتهم التي تشعل صراعات عادت بالوعي الفكري إلى الخلف بدلا من أن تكون دافعاً للأمام، وقدمت صورة مغايرة تماما لما أراده السوريون من أهداف لثورتهم باعتبارها ثورة نحو الحداثة تطمح لعودة المجتمع لينخرط في الشأن العام ويشارك في إنتاج الدولة المرجوة وترشيد السلطة فيها.

إذن وبهذا المعنى، حولت طبقة المشيخة/الكهنوت هؤلاء هدف الثورة الوحيد المتمثل بإسقاط نظام مستبدٍ احتجز "الدولة" تحت قبضته الأمنية، وإعادة حصرية إنتاج السلطة وأدواتها إلى أيدي أصحابها من السوريين بكل تنويعاتهم الطبقية والفكرية والعرقية كما ترسخ ذلك في وجدان الثورة وصيحاتها التي قالتها بوضوح أرهق النظام وأرعبه "واحد واحد الشعب السوري واحد"، حولت هذه الطبقة المشيخية/الكهنوت أهداف الثورة هذه إلى سلطة كهنوت عملت على تأسيس حكم بصفات قدسية تماثل حكم ملالي إيران الشيعي  الثيوقراطي لكن بوجه سني، ليستفيد النظام من ذلك لاحقاً لتثبيت البروباغاندا الاعلامية والسياسية التي وصفت الثورة كذباً منذ بدايتها بانها دينية سلفية إخوانية.

أخيراً، لا شيء يمكن أن يلغي المفاعيل السيئة على الثورة ومسارها لطبقة الكهنوت هذه والنظام معاً  الا عودة الخطاب السوري الأصيل للثورة كما بدأت، وعزل الأصوات التي تهدف لترسيخ التقسيم الجغرافي الطائفي والعرقي.

هشام اسكيف – ناشط سياسي سوري

آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.