Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


الشاعر والشيخ والسياسي ... واللصوص

الكاتب : فواز تللو

2017-05-22 | |

بعد قصيدته "خبز وحشيش وقمر" رفض وزير الخارجية الدمشقي خالد العظم إقالة الشاعر الدمشقي نزار قباني من السلك الدبلوماسي بناءً على طلب رجال دين كان منهم الشيخ الدمشقي علي الطنطاوي لأنه "شاعر له أن يقول ما يريد" كما قال خالد العظم، واستمرت سوريا مزدهرةً بالشعر والاقتصاد والحرية في نموذج فريد تطلعت له الثورة السورية عبر تبنيها لعلم الاستقلال، واستمرت الدولة التي بقي فيها الشاعر والشيخ والسياسي، وهم الذين كانوا لاحقاً جميعاً ضحايا البعث الطائفي في صراعٍ بدأوه معه ولم يتوقف، صراعٌ تصاعد بعد فشل حافظ أسد في استمالة نزار الذي فضل المنفى لمتابعة رسالته بعيداً عن حبيبته دمشق، تماماً كالسياسي خالد العظم والشيخ علي الطنطاوي اللذان عاش ودفنا بعيداً عن حبيبتهم دمشق دون أن تتوقف ألسنة وقلوب الثلاثة "الشاعر والشيخ والسياسي" عن ذكر دمشقهم لحظةً.

لكن النظام تحمل عودة نزار جسداً بعد أن غادرت روحه إلى بارئها، متأملاً استغلال الأمر للمتاجرة بميت لا يستطيع بعد الكلام، فكان أن ترك الجثمان ليعود ويُدفن في دمشق لكن دون مراسم رسمية تليق بشاعر انتظره العرب ألف عام بعد المتنبي، وانتظره العالم والحضارة ثلاثة آلاف عامٍ ليؤسس مدرسة عربية حديثة "حقيقية" في الشعر إلى جانب المدرسة التاريخية.

وكما اعتاد الرعاع منذ احتلوا دمشق قبل نصف قرن، مارسوا المهنة التي يتقنون ... السرقة، مهنة طالت كل شيء، فبعد سرقتهم للسلطة في الانقلاب الطائفي المتنكر بوجه بعثي عام 1963؛ سرقوا الجيش فكان أولى ضحاياهم الضباط "الشوام" بحجة أنهم انفصاليون ليزيلوا أكبر عقبة في وجههم، ليسرقوا لاحقاً ما تبقى من الجيش بعد ستة أشهر بالقضاء على الضباط غير الشوام "الوحدويين"، وليسرقوا أثناء ذلك أجهزة الأمن لتصبح خالصةً لهم تحمل قيمهم " الرعاعية اللصوصية الطائفية " كما جيشهم الجديد، وليسرقوا حزب البعث صاحب الجسم "البِّيس" لكل قذارة طائفية ليبدأ بالاحتضار عام 1963 لتجهيزه كـ "مركوب" ضروري لمرحلة انتقالية وصولاً لانقلاب عام 1966 الذي انتهى بموت حزب البعث وسرقة جثته ليُخفوا الوجه الطائفي للرعاع اللصوص خلف الجثة.

ومن أجل تفويضٍ دولي لتفرده بالسلطة، قرر حافظ أسد لاحقاً سرقة الجولان وإهدائه لإسرائيل عام 1967 تمهيداً لسرقته السلطة من رفيقه الطائفي صلاح جديد عام 1970، لتبدأ مع اللص المتأصل حافظ أسد مرحلة غير مسبوقة من سرقة بنى الدولة بشكل فج وقح وعلى نطاق واسع بتعيين الرعاع اللصوص الطائفيين الذين لا يملكون كفاءةً ليسرقوا الدولة ويفسدوها من خلال مناصبهم المدنية والعسكرية والأمنية إلى حد لم تصل له سلطةٌ متوحشةً من قبل وبلا حدود، مقابل ولاء اللصوص لكبيرهم حافظ أسد بعد أن صودرت وبشكل تام  الديموقراطية والحريات التي كان الدمشقيون "الشاعر والشيخ والسياسي" من رموزها.

وكما شاعرها وشيخها وسياسيها، كانت دمشق عقدة لم تفارق حثالة رعاع اللصوص (فاللصوص أيضاً درجات وطبقات)، فبدأت سرقتها بألف طريقةٍ وطريقةٍ كباقي المدن التي طالها الأمر بدرجاتٍ أقل، عبر احتلالها وهجرة هؤلاء الرعاع لها، والاستيلاء على أملاك أهلها بالاستملاك بعد تأميم شركاتها، وإخضاع أهلها وتجارها ومشايخها ترغيباً وترهيباً، ليسقط من سقط منهم في عبوديته، ويتعايش مرغماً من قرر البقاء، ويرحل أو ينتهي قتلاً وتعذيباً من جاهر بالرفض، ليتوج اللص الأب سرقاته بسرقة كل سوريا وتوريثها عام 2000 للص للابن بشار أسد والذي افتتح سرقاته بسرقة الدستور الذي فصله اللص الأب على قياسه، ليعدله اللص الابن خلال دقائق، وهو الدستور غير الشرعي الذي حوكم شكلياً في محاكم هزلية وسجن وقُتل فعلياً مئات الآلاف من السوريين بحجة "العمل على تغييره".

وبثقة شديدة بدعم غربي له، واحتقار واستهانةٍ بالسوريين عامة ومنهم الدمشقيين، تابع اللص الابن مسيرة السرقة بشكل عميق وسريع وفجٍ وعلنيٍ إلى درجة الوقاحة، فكان أن بدأ بسرقة جثة حزب البعث "الواجهة"، فبعد أن كان الحزب زمن الأب بتركيبته المتنوعة طائفياً متنفساً للآخرين المحكومين كالعبيد بسلطة الأمن والجيش الطائفيين للحصول على بقايا فتات المال والسلطة، قرر الابن أن يستولي عليه "طائفياً" أيضاً، وبوقاحة واحتقارٍ للضحية البعثية العاجزة والغارقة في فسادها الصغير، احتل مناصب الحزب البعثيون من الرعاع المحتلين الطائفيين ليمثلوا مناطق سورية عديدة خاصةً دمشق بدلاً من الواجهات البعثية المحلية، ومثلهم نواب "مجلس الدمى/مجلس الشعب" الذي بات الرعاع الطائفيون المحتلون يمثلون فيه مناطق ومدن يحتلونها بدلاً من سكانها الأصليين، ولينسحب احتلال هذا "التمثيل" الرعاعي الطائفي على باقي مناطق سوريا وإن بدرجات أقل.

أما على المستوى الاقتصادي فقد شرعن اللص الابن اقتصاد المافيا تحت اسم "الانفتاح الاقتصادي" الذي أداره اللص الابن بتفصيل القوانين على قياس لصوصيته ولصوصه ليستثمروا المال الذي سرقوه خلال عقود ويتابعوا سرقة السوريين من خلال الاحتكار الذي مثلت شركات الهاتف الجوال أحد أمثلته الصارخة، ووُزعت حصص السرقة على كل المستويات العليا من السلطة الطائفية، وتُرك البعض للمستويات الوسطى العسكرية والأمنية، ليسرق كبارهم الشركات الكبيرة فالمتوسطة، ويحظى بالفتات باقي الرعاع الطائفيين المحتلين للجيش والأمن والمؤسسات المدنية في الدرجات الدنيا للسلطة.

جاءت الثورة السورية لتقلب الموازين ولتمثل خطراً محدقاً على النظام الطائفي ورأسه، لكنه ببراعة وفهم متأصل جيني لطبيعة أتباعه الذين يشبههم؛ اكتشف فيها فرصة "سرقة" بمستوى غير مسبوق من حيث النوع والكم، فكان أن أعطى الضوء الأخضر للرعاع إخوته في الطائفية واللصوصية، ومن كل المستويات للبدء في حفلة سرقة الوطن السوري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ومن كل الجوانب وبكل الطرق، ليعامل اللصوص سوريا كبقرة سطا عليها لص وقرر حلبها بسرعةٍ حتى الموت إن لم يستطع الاحتفاظ بها تطبيقاً لشعار "الأسد أو نحرق البلد".

هكذا انغمس كبير اللصوص وطبقات السلطة العليا بسرقة استقلال سوريا وعرضه للروسي والإيراني وأتباعهم والمجتمع الدولي في أكبر "مزاد خيانة علني لبيع وطنٍ مسروقٍ" عبر التاريخ مقابل استمرارهم في سرقة السلطة في سوريا، لتقع سوريا تحت الاحتلال الأجنبي وتبدأ عملية سرقة للأرض والتاريخ وبيعها لمستوطنين محتلين بلونٍ طائفي جديد تدفقوا من داخل وخارج سوريا، ليصبح أقصى المعروض دولياً وضع سوريا تحت الانتداب وتقسيمها وسرقة استقلالها ووحدتها تحت مسمى "تقاسم النفوذ".

أيضاً وبغريزة وشطارةٍ جينية/ثقافية متأصلةً رعاعياً طائفياً، اكتشف كبيرهم "اللص الأول" الابن الذي فاق أبيه ("الأول" لقب يعشقه اللصان الأب والابن)، اكتشف في الثورة السورية فرصةً ممكنة أخرى، ففي مقابل دعمهم له وحماية سلطته منح الضوء الأخضر للطبقات الوسطى والدنيا من رعاعه اللصوص الطائفيين للحصول على حصتهم من السرقة، لينغمسوا في أكبر عملية نهب ونقل للثورة بشكل سريع وعنيف خارجٍ عن أي منطق قانوني ولو كان شكلياً، لتجد الطبقات الدنيا والوسطى للرعاع الطائفيين فرصتها التي انتظرتها طويلاً وعقوداً لتحصل على دورٍ وحصةٍ كبيرة من  السرقة بدل الفتات، وذلك عبر نهب المناطق الثائرة وأهلها، وابتزاز أهالي المعتقلين، وقتل وتشليح الناس على الحواجز في أماكن سيطرة النظام، وبيع جوازات السفر وتهريب الفارين من التجنيد، وعشرات الطرق التي ابتكرتها عقليةٌ لصوصيةٌ متأصلة ثقافياً لا تملك في منظومتها الأخلاقية أو العقائدية رادعاً ووصايا عشرة أو خمسة أو حتى واحدة، تحت قاعدة "إفعل ما شئت لكن تعصب طائفياً".

أيضاً لم ينسى كبير اللصوص حصته في حفلة السرقة الكبرى للوطن السوري وأهله، فقد كان أزلامه يفاوضون المجتمع الدولي عبر مؤتمرات المانحين ليقود عملية إعمار سوريا، بينما كان ينهب المساعدات الدولية للنازحين من جرائمه ومن الباقين في مناطق تحت سلطته، ينهبها لصالح ميليشياته وأهاليهم الآمنين المتنعمين بحفلة السرقة الكبرى، ولم ينسى نصيبه في "أسواق السنة" فكانت أحد نشاطات اللص الكبير التجارية على سبيل المثال لا الحصر تأسيس شركةً تقوم بسرقة الحديد من البيوت والمعامل والسيارات والتجهيزات التي دمرها لتصديرها للخارج كـ "حديد خردة"، ليسرق جثة الحجر كما يسرق أتباعه جثة البشر من أعضاء المعتقلين.

دائماً كان لدمشق خصوصيتها في هذه العقلية اللصوصية الجينية الثقافية المتأصلةً رعاعياً طائفياً، والتي نظرت لدمشق بحسد ورغبةٍ في سرقتها بالانتماء لها واستيطانها، مقابل شعور مناقض بالنقص تجاهها والحقد عليها والرغبة في تدميرها، فدمشق أثمن المسروقات بالنسبة لهذه العقلية، وما التهجير الطائفي فيها اليوم إلا تعبيراً عن وجهٍ آخر لهذا الحقد الطائفي العابر للأخلاق والإنسانية، والعابر للحدود، بانغماس من الرعاعية الطائفية لملالي إيران وأتباعهم في المنطقة.

دمشق التي كان منها الشاعر نزار قباني الذي جرت محاولة سرقة عرشه الشعري الدمشقي بابتداع مدعٍ للشعر يخجل من اسمه وأصله وثقافته مستبدلاً إياه باسم أدونيس الذي سرقه بدوره من التاريخ، ودمشق التي كان منها الشيخ الدمشقي علي الطنطاوي الذي جرت محاولة سرقة مكانته من قبل المرتزقة مشايخ اللصين الأب والابن، ودمشق التي كان منها السياسي خالد العظم وقبله السياسي شكري القوتلي الذين جرت محاولة استبدال عهودهم المزدهرة حضارياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً بعهد اللصين الأب والابن، ليمثَّل كل ذلك "رمزياً" محاولة سرقة علم "الاستقلال 1946 / الثورة 2011" عبر إهانته واستبداله بعلم مشوه تاريخياً اختاره اللص الأب، ظناً من اللصوص أنهم يستطيعون سرقة تاريخ سوريا بعد أن سرقوا حاضرها ووجودها كدولة واقتصاد ومجتمع، محاولين تدمير مستقبلها بعد أن ثارت عليهم.

الثورة السورية معركةً بدأت إرهاصاتها منذ عام 1963 بأشكال كثيرة، معركةٌ بين الاستقلال والتبعية، بين الحضارة والتخلف، بين الأصالة والوضاعة، بين أبناء الأصل (وكثيرٌ منهم فقراء بالمال أغنياء بالأصالة والأخلاق) وبين الرعاع، بين السوريين الأصيلين الذين بنوا سوريا لكل سكانها وبين طارئين طائفيين يحملون صفات المحتلين، ثورة لها أن تقول أنها انتصرت عندما تنتصر قيم المواطنة والحريات السياسية والدينية والتعبير، والانفتاح الاجتماعي والتسامح الديني، والحرية الاقتصادية المحكومة بمصالح كل الطبقات، ثورةٌ ستنتصر عندما تنتصر هذه القيم على قيم الرعاع اللصوص الطائفيين، ثورة تختم صراعاً قديماً كان أحد إسقاطاته الذي يختصرها برمزيةٍ صراعٌ بين "الشاعر نزار قباني والشيخ علي الطنطاوي والسياسي/الاقتصادي خالد العظم من جهة ... والرعاع الطائفيين لصوص الشعر والدين والسياسة والاقتصاد من جهةٍ أخرى"،

 فواز تللو – سياسي وكاتب سوري

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات
د. عبد الرزاق عيد

عزيزي الأستاذ مقالك عن الثلاثي التنويري الليبرالي الدمشقي، كان التقاطا نابها وسباقا لوحدة الجذر المعرفي الكامن وراء رؤية الثلاثة معرفيا بغض النظر عن التمايز الايديولوجي الذي كان يوحده التنوير لدى الثلاثة الكبار نزار قباني وخالد العظم والشيخ علي الطنطاوي ،، أو ما يسمى بـ (وحدة النواة الابستمية)، حيث ستكون فضاءات التنوير في سوريا أشبه بما كان يسميه كانت بـ (روح العصر) قبل أن يئدها رعاع الريف الأسدي وحثالات المدن البعثي ..... إن التقاطك لوحدة الرؤية المعرفية هذه يهيئ لإمكانية قيام بحوث ودراسات وأطروحات أكاديمية حول هذا الموضوع النابه والهام، يمكن أن ينجزه كتاب شباب، وهو مهمة وطنية نبيلة ورفيعة ... مع التحية والأمنيات

| 11

من د. عبد الرزاق عيد

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.