Flag Counter
خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع

كيف نجحت الثورة المدنية والمسلحة ... وفشلت العسكرة

الكاتب : هشام اسكيف

2017-05-15 | |

تستحق الثورة السورية على استبداد آل الاسد بجدارة المقارنة بينها وبين الثورة الفرنسية في عمقها وتجذرها وتأثيرها الجيوسياسي  لكن تفترق عنها بأنها لم تفكر بالتسلح بداية، فأغلب من انخرطوا في الثورة السورية كانوا على قناعة تامة بأن قوة الثورة في ضعفها أي في سلميتها، لذلك فإن النظام بشهادة أحد أعمدته فاروق الشرع "كان النظام يستميت لكي يرى قطعة سلاح تظهر في المظاهرات فلا يجد"، لذا نحن أمام حالة يجب علينا فيها تفسيرها سبب تسلح الثورة، وهل تسلحت أم تعسكرت وما الفرق بين الحالتين؟

هزت المظاهرات عرش الطغيان وجعلته في مهب الريح، وبعد أن دخل النظام في حالة الموت السريري قرر أن يزيد جرعات القتل لعل ذلك يعيد السوريين إلى حظيرته خانعين لكنه نجح في زيادة الدم وفشل في منع ارتداده عليه، إذ انقلبت الثورة إلى حالة ثورية مسلحة نظمها شباب السلمية الذين ذاقوا الويلات والموت لأهلهم وذويهم ورفاق دربهم أمام أعينهم، وانضم إليهم ثلة من الضباط المنشقين الذين انحازوا إلى الشعب ورفضوا أن يكونوا جزءً من آلته، وبهذا المعنى تسلحت الثورة ولم تتعسكر، إذ أن السلاح كان يهدف لتأمين ساحات خالية من قتل الأسد المباشر الذي كانت أذرعه الأمنية وما تبقى من قطعات جيشه "الفرقة الرابعة " تخوض حرباً ضد الشعب الأعزل.

لم يجد الأسد مهرباً لأزمته سوى زيادة القتل بعد أن أصبح موقناً بأنه راحلٌ لا محالة ويجب (من منظوره الجرمي) أن يدفع من ثار عليه الفاتورة كاملةً وهو يعلم أنه سيضطر في النهاية للرحيل، لكنه مع مرور الوقت وشهوة الاحتفاظ بالسلطة أصبح أسيراً لمعادلات الدول التي شكلت رافعة لحكمه، أي إيران في المقام الأول وروسيا وسرعان ما انقلب الترتيب لاحقاً.

وهكذا فإن الثورة بهذا المعنى قدمت نفسها في البداية كقوةٍ وعينٍ تستطيع مقاومة المخرز بل وأكثر من ذلك، لكنها انتقلت لاحقاً من مفهوم التسلح إلى مفهوم العسكرة بفعل بعض الظروف، وتغيرت من ثائرٍ سلمي فمسلحٍ ناجحٍ إلى حاكمٍ فاشلٍ، وهو أمرٌ يستوجب التوضيح.

فمع بدايات تحرير مساحاتٍ شاسعةٍ من الأرض السورية من قبضة النظام، لاح في الأفق استحقاق إدارة المناطق المحررة خاصة حلب التي سنأخذها مثالاً، فانطلقت القوى الثورية لاستجماع قوتها وتحشيدها للوقوف على هذا الاستحقاق/التحدي سيما وأن نصف المناطق المحررة في حلب تقريبا كانت كابوساً يؤرق النظام على صعيد الخدمات والصحة، فكان لزاماً على الثوار الدخول فيث هذا التحدي، لكن ما لم يكن بحسبان هذه القوى ولادة صراعات نفوذٍ سلطوية الطابع بين القوى التي حملت السلاح واكتسبت الشرعية الشعبية لحمله، والأكثر خطراً كان دخول هذه الصراعات حيز الحياة المدنية، فالمجلس المحلي البلدي الذي أنتجته السلطة المدنية المنبثقة من الثوار، حاول أن ينظم عملية تقديم الخدمات وضبط عمليات الهدر والاستيلاء من قبل القوة المسلحة الثورية على مقدرات الشعب، فنجح أحياناً وفشل مراتٍ كثيرةٍ لعدة عوامل سنفصل فيها لاحقا.

بالمقابل كان هناك ولادةٌ منظومةٍ أخرى موازيةٍ تابعةٍ لتنظيم "الجولاني/جبهة النصرة/القاعدة"، في ولادةٍ غير شرعيةٍ  نتجت عن استيلاء هذا التنظيم على مقدرات الشعب تحت عباءة فكر الغنيمة وتوظيفها في خدمة سلطته، فالإدارة العامة للخدمات التابعة لتنظيم الجولاني لم تكن نتاجاً ثورياً ضمن إطارٍ انتخابي بل كانت ليّاً لذراع الشعب الذي أراد أن استمرار حصوله على الخدمات العامة، فقام التنظيم وذراعه الخدمي باستغلال كل "الغنائم" المُسْتَولى عليها لصالح الترويج للتنظيم، وبذلك سنوا كعادتهم سنةً سيئةً أشعلت نار صراع السلطة بين التنظيم من جهة والقوى الثورية التي تحولت إلى قوة عسكرية محضة من جهةٍ أخرى دأبت مرارا وتكرارا لتهيمن سلبياً على القوى المدنية.

ما لم تفعله هذه القوى الثورية المسلحة - كونه واجباً وطنياً - كان رعاية ولادة حياةٍ مدنيةٍ كونهم أخذوا مجتمعين مهمة الدولة في احتكار القوة الجبرية أي السلاح، بل دخلت هذه القوة الثورية التي تحولت إلى قوة عسكرية، دخلت في سباق على النفوذ مع جبهة النصرة، فلا هم قدموا خدماتٍ، ولا هم رعوا من كان في واجهة الحدث من القوى المدنية والثورية غير المسلحة، فلم تُشَكّل قوة شرطية لها سلطة رعاية القانون العام، ولا ضابطة عدلية لأي منظومة قضائية لها صفة الجلب والإحضار، ولا سلطة قضائية بالمعنى الحقيقي للكلمة، فمثلً كان يكفي أن يوقع قاضي تحقيق في أيٍ من منظومات القضاء التي اُسْتُحْدِثَتْ لتوقيف أحدهم لكنه لا يستطيع توقيع الإفراج عنه.

وهكذا بدأ التحول من الثورة إلى الصراع على السلطة والدخول في منافسةٍ مع تنظيم الجولاني/جبهة النصرة/القاعدة الذي طمح منذ اللحظة الأولى إلى حكم المحرر تحت عباء "تحكيم شرع لله"، والتي هي مجرد حجةٍ وهمية لا تقل عن وهمية القومجي الأسدي الذي اتخذ من سردية المقاومة وتحرير فلسطين مطية لحكمه.

وبهذا المعنى نجحت الثورة في توليد تنظيمات ثورية كان عمادها القوى المدنية الفعالة التي تذخر بالطاقات والتي شكلت بدورها أطراً إداريةٍ مدنية ساعدت في خلق مناخاتٍ وأطرٌ بديلة تساعد على ولادة نظامٍ بديلٍ للأسد،  بينما فشلت في ذلك القوى العسكرية الثورية التي تحولت بفعل سباق السلطة الوهمي من قوةٍ ثورية مسلحةٍ إلى قوة عسكرية محضة مبتعدةً عن مشروع الثورة في بناء نظامٍ سياسيٍ جديرٍ بالثقة والاحترام الشعبي والدولي.

 

هشام اسكيف – ناشط سياسي سوري

آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات
عزالدين سالم

مقالة جميلة ولكن ليس جميع من تعسكروا تحولوا الى طواغيت وامراء حرب فهناك من حمل راية حماية السلمية ولكن اغتيل سياسيا وعسكريا من قبل من صنعهم نظام الاسد في السجون واخرجهم ليصبح السجن صك غفران ليتسلموا قيادة العسكرة وتحويلها من ثورة شعب الى جهاديين ولكن ليس ضد النظام وانما لقتال الجيش الحر اي الثوار والعسكر المنشقين الذين ارقوا مضجع النظام وقفزوا على الثورة واتصلوا بالقاعدة فتشوهت الوجوه والمبادئ ولكن الثورة لن تموت وستنتصر

| 0

من عزالدين سالم

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.