Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


ثورة الوعي

الكاتب : سهير أومري

2017-05-15 | |

"سوريا قلب العروبة النابض" ... عبارة زرعها نظام البعث في نفوسنا على مدى سنوات حكمه الأربعين على نحو أشعرنا فيه ما لسوريا من مكانة عظيمة سواء من الناحية الجغرافية أو الإقليمية أو الاستراتيجية، ومع شعارات "الممانعة والمقاومة" و"الصمود والتصدي" نشأت أجيال مقتنعة أن كل ما نحن فيه من ضيق مادي واقتصادي ضروريٌّ لبلد يقف حاكمه في مواجهة العدو ويضع في أولوياته عدم الركوع له، ولم تكن آلة الإقناع هذه وحدها لتنجح لولا منظومة فكرية ذات قواعد دينية تربى عليها الشعب السوري، وبنى عليها الشيوخ والعلماء الكثير من دروسهم وخطبهم ومواعظهم التي ترتكز على كون الرئيس هو الحاكم بأمر الله: "اللهم وفق من وليته –أنتَ- أمرنا"، وكون الشام – سوريا تحديداً– أرض المحشر والمنشر، وملجأ الناس يوم الملحمة الكبرى، ومأوى لهم من فتن الأرض، هذا عدا عن أن الملائكة تبسط أجنحتها لتحمي الشام، هذه الفكرة التي نشأت عنها عبارة "سوريا الله حاميها".

كل هذا تعاونَ ليشكل عقلاً جمعياً ترسخ على شكل بديهيات استقرت في "اللاوعي" السوري أن من يحكمهم هو الأنسب لهم، وأن بلدهم تتمتع بحصانة إلهية تحميها، وحتى لو تعرضت لسوء فليس عليهم أن يفعلوا شيئاً طالما أن الله تعالى سخر لها مَن يحميها، قناعة كانت تبدو عميقة جداً حتى قامت الثورة السورية لتمنح السوريين جرعات من الإنعاش وتعيد لهم الوعي وتزيل عنهم ما كان يخدِّر أفكارهم من قناعات زائفة، ولتسقط الأقنعة عن الشعارات الكاذبة وليظهر "قلبُ العروبة النابض" بأنه ليس أكثر من "قلب روسي بأوردة إيرانية ودماء طائفية"، وأن "الممانعة والمقاومة" ليست إلا منعاً لتعرض إسرائيل لأي أذى، ومقاومة لأي نداء يطالب بالحرية أو الكرامة أو العدالة، وليبدو "قانون الطوارئ" ليس إلا قمعاً للحريات وعلى رأسها حرية التعبير، وليدرك كيف حرص نظام الأسد على تحويل سوريا إلى دولة الإعلام الواحد الناطق باسم الحزب الواحد الذي يرأسه القائد الواحد –الخالد!- المنتخب إلى الأبد! مع أن سوريا كانت تاريخياً من أوائل الدول في العالم العربي التي نشط فيها الإعلام الحر، فبحسب التقرير السنوي للمركز السوري للإعلام والتعبير عام  2007 ؛ صدرت أول مجلة مطبوعة في سوريا عام 1851 تحت اسم "مجمع الفوائد"، كما تم إقرار قانون المطبوعات فيها عام 1865، وفي أوائل القرن العشرين شهدت سوريا ثورة حقيقية في الصحافة الحرة حتى بلغ عدد المطبوعات عام 1920 بحسب المصدر نفسه 31 مجلة و24 جريدة دوريّة، واستمر هذا النشاط الإعلامي الحر حتى بلغ ذروته بعد الاستقلال، ليبلغ عدد المطبوعات 52 في خمسينيات القرن الماضي حتى فُرِض قانون الطوارئ  تزامناً مع الاحتلال الأسدي للبلد عام 1963.

حتى "الأحاديث الدينية" التي تتحدث عن فضل الشام أدرك السوريون كيف تم استثمارها وتأويلها على نحو يخدِّر ضمائرهم ويدفعهم نحو المزيد من الخنوع والخضوع، وتبدّى لهم أن فضل الشام لا يمكن أن يكون ضمن واقعها الحالي، فكيف تكون كذلك لشعب يقبل بحكم طائفي هو في الحقيقة ذراعٌ لتنفيذ مخطط إيراني لإقامة هلالٍ شيعيٍ مزعوم؟ أما الملائكة التي تبسط أجنحتها لتحمي سوريا فهي ما أشار إليه "يوسف زيدان" في كتابه "متاهات الوهم" على أنها أحد الأوهام التي اعتاد المستبدون والطغاة ترسيخها في عقول شعوبهم ليقبلوا بالوضع الراهن مهما كان سيئاً، ويتركوا أمر الدفاع واسترداد الحقوق لله تعالى الذي تعهد بالحماية، وهذا لا يقتصر على سوريا فحسب، فكذلك مصر سميت أيضاً بـ "المحروسة"، إلا أن الشعب السوري أدرك أن مصداق أحاديث رسول الله ليس لواقع كواقعهم، وأن عليهم أن يثوروا ليصلوا ببلدهم إلى حال تُحقِق للشام فضلها وتجعلها جديرة بحماية الله لها.

هو إدراك متأخرٌ بذل السوريون في سبيله أثماناً باهظة، فبحسب تقرير نشره المركز السوري لأبحاث السياسات العام الفائت فإن عدد الخسائر البشرية التي لحقت بالسوريين وصل إلى نحو 470 ألف، وبلغت نسبة النزوح الداخلي 45% من السكان، وأكثر من 4 ملايين نزحوا خارج سوريا، وذكر تقرير نشرته صحيفة الغارديان العام الفائت أيضاً أن "نحو 11.5% من سكان سوريا قُتلوا في سوريا منذ مارس/آذار 2011، في حين يقدر عدد الجرحى بنحو 1.9 مليون إنسان .

أرقامٌ مصنوعةٌ من دماء السوريين وعذاباتهم، أرقامٌ تكسرت على عتباتها كل أساطير السفاح، وطاحت في محرابها كلُّ ادعاءات الأمم التي ليست متحدة إلا لأجل مصالحها... أرقام تؤكد أن سوريا لن ترجع كما كانت، وأن السوريين عندما خرجوا من أجل الحرية ساروا في طريق ذي اتجاه واحد يسطرون للبشرية أسطورة شعب خرج ولن يعود.

 سهير أومري – كاتبة سورية

مركز آفاق مشرقية 

 

مركز آفاق مشرقية: تختلف الأرقام كثيراً باختلاف المصدر، ومن شبه المؤكد أن الأرقام أكبر بكثير من الأرقام التي ذُكِرَت مستندة إلى المصدر المذكور والذي ربما يعتمد توثيقاً صارماً جداً لا يغطي بالضرورة الكثير نظراً لغياب آليات التوثيق الميدانية لأسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا.

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.