Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


الانقلاب الأمريكي

الكاتب : فواز تللو

2017-05-22 | |

كانت سياسة أوباما في الملف السوري والمنطقة والمتحالفة مع المشروع الإيراني تسير كما أرادها بعد ان جهد لترسيخ وقائع لا يمكن تغييرها بعد رحيله، وبعكس ما أشاع فقد كان يملك استراتيجية تضحي بكل شيء بما في ذلك بعض مصالح أمريكا وترك الروسي يتسلل للمياه الدافئة المحرمة عليه عبر التاريخ ليضمن (أي أوباما) نجاح مشروع ملالي إيران للاستيلاء على المنطقة، مشروعٌ حبة اللؤلؤ فيه سوريا حيث ينتصر أو يموت، استراتيجية تسعى لتقسيم سوريا بمناطق نفوذ تستكمل تهجير السنة العرب وإضعاف تركيا تمهيداً لتقسيمها بينما ملوك الطوائف العرب منشغلون بغزواتهم الداخلية ضد الربيع العربي وشعوبهم.

 

ترامب المحاط بمستشاريه الأعداء لإيران العاجزين أمام سياسة أوباما المستمرة بثبات لم يجدوا إلا طريقاً واحداً فضله ترامب لخوض المعارك الخارجية التي تميزه وتميز طاقم الجمهوريين في خوض حرب خارجية، وكانت داعش هي الهدف الجذاب، ما استدعى برأيهم تجاهل السفاح الأسدي ووضع الملف السوري على الرف كما أراد أوباما ونصح به مستشار ترامب الأقرب له الذي عينه في مجلس الأمن القومي "ستيف بانون" القريب من بوتين والذي كان يقود هذه السياسة التي تعيد تأهيل النظام السوري بما في ذلك رأسه بوضع الملف السوري على الرف بحجة التركيز على حرب داعش والاستمرار في سياسة أوباما، لكن لسوء حظ التحالف الثلاثي ":الأسدي الروسي الإيراني" أقال ترامب "بانون" عشية استخدام الكيماوي لأسباب لا علاقة لها باستخدام الكيماوي بل بسبب الصراع داخل مجلس الأمن القومي، مع العلم أن "بانون" كان قد ساهم بشكل كبير في رسم السياسة التي ظهرت ملامحها في التصريحات الأمريكية قبل استخدام الكيماوي (ومن خلفها الأوروبية) المطمئنة لرأس النظام الأسدي بأنه مستمر ولو لفترة ما يعني كسب الوقت الثمين الذي يتقنه بانتظار تغير الظروف أو انتهاء عهد ترامب.

شجعت هذه "التطمينات" التحالف الثلاثي "الأسدي الروسي الإيراني" للاندفاع إلى الأمام، ولأن النظام كان يتعثر في معارك حماه ودمشق ودرعا قرر التحالف الثلاثي استعمال جرعة صغيرة من الكيماوي يبدأ بعدها "رفع عتبة الألم" بزيادة الجرعة تدريجياً كلما احتاج الأمر لكسب أي معركة قادمةٍ ما دام الأمريكي "القاضي راضي" ورسائل التطمينات تنهال من كل حدب وصوب.

تم استخدام الكيماوي، وظهرت الصور، لم يدرك الحلف الثلاثي أنه باستخدام الكيماوي ولو بجرعة صغيرة قد خرق قاعدة عالمية تجعل قتل مائة شخص بسلاح كيماوي أعظم في نظر المجتمع الدولي صاحب الفيتو من قتل مائة ألف بطريق تقليدية، قاعدة ليست عادلة لكنها سارية كغيرها من القواعد غير العادلة، فمن يستخدم الكيماوي يعطي الإشارة بأنه بات فاقداً للصلاحية مهما قدم من خدمات لأسياده،.

أيضاً نسي الحلف الثلاثي "الأسدي الروسي الإيراني" أنه قد تعهد قبل أربع سنوات بالتخلص من سلاح الجريمة الكيماوي بعد عرض إسرائيلي بإنقاذه، فجاءت تلك الهفوة لتكشف أنه لا زال يمتلكه ليفقد الأسدي ثقة إسرائيل به وترفع الغطاء عنه، وتأثرت ابنة ترامب وهي التي تمثل أحد مفاتيحه، وأخيراً لعب الإعلام العالمي دوراً كبيراً في فضح الأمر، ما استدعى إطلاق ترامب لتصريحات تنبئ بعزمه دراسات خيارات الرد التي لم تكن واضحة فالأمر كان مفاجئاً ولا توجد استراتيجية غير ما وضعه أوباما الذي سبق و"لحس" كلامه متجاهلاً خطوطه الحمراء، لكن إشارات ترامب بدراسة الخيارات تلقفها الإعلام الأمريكي بترحيب وتشجيع شديدين، أمر أثار حماس ترامب الخارج من معارك داخلية خاسرة في قانون أوباما كير ومنع دخول رعايا بعض الدول وسور المكسيك، كما ذاق لأول مرة طعم الثناء من قبل إعلام أمريكي ناصبه العداء، وهكذا كان القرار.

قرر ترامب وضع الملف السوري على الطاولة من جديد، لكن كان لابد من رسالة سريعة فكانت الضربة المحدودة عسكرياً والكبيرة سياسياً، ثم الذهاب إلى مجلس الأمن ليرتكب الروس الخطأ الذي لابد منه باستخدام الفيتو لقرار تعمد الأمريكيون ان يكون شديداً لوضع الروس أمام  الخيار الجديد في سوريا: إما التخلي عن الأسد والإيرانيين أو الدخول بالمواجهة، وبدأت ملامح سياسة ترامب تتشكل بسرعة تمهيداً لدفن سياسة أوباما الخارجية في تعويضٍ عن الهزائم الداخلية لترامب ومثل "أوباما كير " وسور مع المكسيك وإيقاف تأشيرات الدخول لبعض الرعايا.

في الملف السوري ظهرت ملامح سياسة ترامب في سلسلة من التصريحات أكدها إطلاق بعض دول المنطقة تصريحات بسقفٍ عالٍ غير مسبوق بحق النظام السوري والإيرانيين، من تركيا إلى الأردن إلى السعودية وباقي دول الخليج، ناهيك عن الموقف الأوروبي المتشدد المواكب للأمريكي بقيادة بريطانيا ليجعل الفرنسيين الصارمين مع الأسدي سابقاً يلهثون وراء الأمريكيين بعد أن كانوا يسبقون أوباما بمراحل.

ملامح سياسة "صحوة" ترامب كانت شاملة لكل الملفات الخارجية لتطبيق شعار "أمريكا اولاً"، فالأمر هنا يعيد الشعبية ويداوي الكرامة المهدورة داخلياً، فكان الموقف من إيران في كل المنطقة وقرار إخراجها من سوريا ما يعني صداماً قادماً معها ومع تابعها الأسدي وعرابها الروسي، كذلك قرار مساعدة السعوديين في اليمن، ولجم الصين مع التصعيد بوجه معتوه كوريا الشمالية، وقرار العودة إلى الصومال، وكانت العودة الأمريكية بقوة لدعم الحلف الأطلسي، وكانت الحرب الباردة المتصاعدة بوجه الروسي المتمدد بإرسال جنود إلى بولندا وإعلان عقوبات بحق الروس من أجل أكرانيا والقرم، وأخيراً وضعه في خانة الانصياع او المواجهة في سوريا.

يرى الأمريكي أن الحفاظ على علاقات جيدة مع الروسي تقتضي عودة الأخير إلى موقعه الحقيقي الذي تفرضه موازين القوى الحقيقية في العالم لا تهاون أوباما، وهو ما سيعني إما التراجع الروسي وهو غير ممكن في حالة بوتين وعقليته مما يحيل الأمر إلى حرب باردة حتمية ستمتد لسنوات في العالم وأوروبا (خاصة في أوكرانيا) والعالم العربي خاصة في سوريا حيث ستكون إيران أحد أطرافها بالضرورة في كل المنطقة، فأمريكا ترامب تبحث في النهاية عن مصالحها الجيوسياسية التي تراجعت نتيجة صمت أوباما أمام تمدد بوتين.

لن تكون هناك مواجهة مباشرة بين الأمريكي والروسي الذي لن يستسلم في سوريا والعالم فشخصية بوتن لا تسمح بذلك، تماماً كما لا تسمح شخصية ترامب بالتراجع أيضاً، وهو ما سيعني بأي حال ولأسباب عديدة مواجهة "باردة" طويلة بين الطرفين ساحتها العالم، وجاءت حادثة الكيماوي لتعيد الملف السوري للواجهة وتحدد ساحة البداية لهذه الحرب الباردة في مواجهة سيخوضها الأمريكي عبر شركاء محليين سوريين يجري تحديدهم حالياً وفق سياسة لا زالت طور التشكل ستعني في النهاية أن إخراج الإيراني وفك ارتباط الروسي بالأسدي وإزالة الأسدي كعائلة، كلها أمور لن تتحقق إلا عبر المواجهة العسكرية عبر الشركاء المحليين على الطريقة الأفغانية لطرد الاتحاد السوفيتي.

ستظهر السياسة الأمريكية الجديدة قريباً وربما خلال هذا الصيف، وسيحتاج تطبيقها التدريجي وقتاً وقد نرى بدايتها في خريف هذا العام وستحتاج وقتاً سيمتد ربما لبضع سنوات لنرى نتائجها، لكن ملامحها بدأت بالظهور عبر تصريحات ومواقف كثيرة، من إعادة النظر بالحلف مع الكرد كما ظهر في ما يُطرح في مجلس الأمن القومي، أيضاً الأسد وعائلته فقدوا التفويض الأمريكي وبات خروجهم من السلطة وبالتالي من سوريا (أو من عالم الأحياء) محسوماً لكن كثيراً من التفاصيل ومنها كيفية تنفيذ الاستراتيجية لا زالت قيد الدراسة كوضع النظام من حيث بنيته الطائفية، والدور الروسي، والوضع الكردي الذي بات قابلاً للمراجعة، وتقسيم سوريا بتقاسم النفوذ فيها (كما خطط أوباما)، وتعريف الحل السياسي، وكلها أمور من الضروري العمل عليها، فسياسة أوباما ووقائعه عل الأرض التي حاول تثبيتها لا زالت سارية المفعول وقد تكون (وبدرجات مختلفةٍ) جزءً من سياسة ترامب الجديدة، ومن هنا من الضروري عدم ترك الأمر لطاقم إداريي خطة أوباما الذين لا زالوا في مواقع عسكرية ومدنية عديدة وسيحاولون تثبيت ما استطاعوا من السياسة التي تأقلموا معها.

لكن على الأغلب، ملامح السياسة الأمريكية الجديدة في سوريا ستفضي إلى استمرار الصراع على الأرض، فإخراج الروسي والإيراني كما يرغب الأمريكي لن يكون إلا بالسلاح عبر الشركاء المحليين، وهو أمر سيحتاج وقتاً كما كان الأمر في أفغانستان فالمحور الثلاثي سيقاوم بشراسة، وسيمتد الصراع إلى باقي المنطقة بأشكال مختلفة، وسيستمر الصراع في سوريا حتى تهيئة الظروف لتسوية سياسية قابلة للحياة غير متوفرة في ما نراه من مفاوضات جنيف وأستانة التي هي ليست إلا لعباً في الوقت الضائع، لذلك نرى شخوص المعارضة كما تعودوا مع كل فشل ينجزونه يتسابقون لحجز مكان في القطار التالي لأي تسوية قادمة ومع أي طرف ممكن وبأي شروط أو ظروف مادام مقعدهم في القطار محجوزاً بغض النظر عن وجهة القاطرة.

تشكل إدارة ترامب مخاطر كبيرة على المحور الثلاثي "الأسدي الروسي الإيراني"، كما تشكل اليوم فرصاً كبيرةً في سوريا والمنطقة للمحور السعودي التركي والثورة السورية التي لا تمتلك قيادة حقيقية ولا تمتلك أية رؤية أو استراتيجيات لتغيب كتابع وراء الآخرين في هذه المعادلة الهامة في فترة حساسة جداً، لكنها تبقى فرصاً غير مكتملة للمعنيين ما لم يجري العمل عليها من قبل هذه الأطراف على مستويات عديدة لا يمكن فيها إهمال مفاتيح من أشخاص ومؤثرات شخصية لترامب شخصيا، عملاً حثيثاً سريعاً بينما السياسة الأمريكية الجديدة لا تزال في طور التشكل، فما نراه ونسمعه اليوم والذي بدأ بضربة عسكرية محدودة جداً ليس مجرد استعراض بل هي بمثابة البيان رقم واحد لـ "انقلاب أمريكي" من ترامب على أوباما في كل سياسته الخارجية بكل ما تعنيه كلمة انقلاب من معنى وبدرجات مختلفة غير واضحة بعد في كل ملف، ما يستدعي إعادة قراءة من قبل المعنيين في العالم للسلطة "الانقلابية" الجديدة وسياساتها ككل انقلاب جرى عبر التاريخ قالباً الأمور رأساً على عقب، محطماً التحالفات والصداقات القديمة، فاتحاً جبهات وعاقداً تحالفات جديدة، ملغياً سياسات الماضي بحزم وسرعة وشدة ليرسم مستقبلاً جديداً.

 

فواز تللو – باحث وسياسي سوري

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.