Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


"مورا" التائهة بين دمشق ومدريد

الكاتب : عماد العبار

2017-05-15 | |

لم يكن ما حدث في سوريا عام 2011 انفجاراً عادياً، ولم تأت الحرب وتداعياتها من الفوضى والتفتّت الطائفي بين سنّة وعلويين ثم التباعد القومي  بين العرب والكرد بدون أسباب ومقدمات، بل يكاد يكون الألم الذي نعيشه بكامل تفاصيله نتيجة منطقية لانهيار داخلي عانى منه المجتمع السوري على مدى أربعة عقود دون أن يجد خلالها متنفساً لأزماته الطبقية والطائفية والقومية أو فسحة ملائمة لمناقشة مواضع الخلل في الثقافة والتربية، فتراكمت أزماته وتفاقمت، إلى أن جاءت لحظة الانفجار العظيم.

لم تكن الأزمات الداخلية وحدها كافية لتفسير الفوضى الحاصلة، فلقد كان من الواضح أنّ حجم التدخّلات العالمية في المنطقة أكبر مما كنا نتصور، حتى أكبر من البروباغاندا التي كان يبثّها النظام السوري عن وجود مؤامرة عالمية أثناء لعبة الشدّ والرخي التي مارسها مع الغرب، ولو أنّه لم يكن يريد بكلامه إلا الباطل.

قليلة هي الأعمال الروائية التي تسعى للإحاطة بالصورة من جوانب متعددة وتنجح في ذلك، لكنّ رواية "مورا في مدريد" للكاتبة نوال السباعي حققت ذلك وبقدرة مذهلة، فالرواية تجمع بين السيرة الذاتية والتوثيق التاريخي الروائي لأبرز الأحداث التي مرّت بها الكاتبة والمجتمع السوري منذ الستينات وحتى أواخر التسعينات من القرن المنصرم.

و"مورا" هي الاسم الذي سيبقى ملازماً للكاتبة منذ بداية هجرتها إلى إسبانيا أثناء محنة الثمانينات إلى يومنا هذا، وحتى بعد مضي أكثر من عشر سنوات على انتهاء أحداث الرواية، واللقب عبارة عن وصف عنصري يُقصد به التحقير يطلقه الإسبان على كل مهاجر "العربي المسلم، والقادم من شمال إفريقيا على وجه الخصوص"...

لكنّ الكاتبة عاينت ببراعة أيضاً أحوال الـ "موروس" في مجتمعاتنا المنخورة من داخلها خلال السبعينات وسجّلت من خلال توصيفها للبيئة السورية التي عاينتها العنصرية والطبقية والطائفية التي أنهكت المجتمع السوري حدّ الفناء.

كان الوطن يزور الكاتبة في غربتها على هيئة صور كثيفة تختزنها الذاكرة عن بيت الجد والجدة، فقد كان ذلك البيت بكل تفاصيله المغرقة في البدائية والبساطة والدفء يمثّل الوطن بكامل تناقضاته... بين جدرانه القديمة المتآكلة والمليئة بالدفء عايشت كثيراً من التناقضات الاجتماعية والتنافرات بين العقول والطباع والعلاقات الزوجية التي لا تبنى على أسس سليمة، ليستمر معها الألم طيلة ستين عاماً! عاشت الكاتبة هناك كوتد مشدود بين شخصين تحب كل واحد منهما أكثر من الآخر وبقيت مشدودة إلى كليهما تعايش المتناقضات دون أن يكون بإمكانها فعل شيء.

لم يكن الأذى العنصري الذي عايشته الكاتبة في إسبانيا غريباً بالنسبة لها، فقد سجلت في روايتها أصنافاً من الأذى لا تقل قسوة عن تلك التي لحقت بها في غربتها:

أذى البيئة الشامية وهو الذي وصفته بــ "الأذى المجاني غير المبرر من الجميع، وفي جميع المناسبات"... بعضه يطال الطالبة من أستاذتها في حلقات تدريس الدين وقد يتحول إلى رغبة في التحطيم عندما ترى الأستاذة طالبة تتمتع باستقلالية ومقدرة... وبعضه يطال الناجح ضمن محيطه الاجتماعي الضيّق، كما قد يكون على شكل أذى مزمن يستمر لعقود تكون ضحيّته الجدة، وبعضه تكون فيه الكنّة ضحية وتصبح الجدة هي الجاني.  

كانت الشام تغلي فعلاً بحسب وصف الكاتبة، ولم يكن الغليان طائفياً بسبب النظام وحسب بل كانت الشام تغلي من داخلها، وكانت تتمزق شيئاً فشيئاً مع ارتفاع وتيرة القمع والعنف السياسيين… لم تكن السياسة هي الأزمة وحسب، كانت أزمتنا في ذواتنا أكبر، ولم نفشل في الحد من ظلم النظام وحسب بل لم نستطع أن نعالج أنفسنا أيضاً…

كان النظام يقتل الشباب، طاقة المجتمع ومستقبله، ثم يسلمهم لذويهم، فيتم دفنهم بصمت وخزي، دون أن يتجرأ أحد على أن ينبس بكلمة، وكان الناس يتعاركون فيما بينهم على هوامش الحياة، فيقتلون بذلك ما لم تصل إليه يد الجلاد...

لقد كان الاستبداد: "مرضاً عضالاً يعاني منه مجتمع بأكمله، لم يكن أمراً خاصاً بالأنظمة".

هاجرت الكاتبة لكن روحها لم تهاجر، كانت تحلم دائماً بالعودة، كانت على يقين بأنّ الخلاص قادم لا محالة. تضاءل اليقين مع مرور الوقت  بعد موت الجد والجدة، ثم تلاشى بعد أن ظهر أنّ السلطة قد انتصرت في  النهاية... ثم وبعد أن تم بيع بيت الجد والجدة بات الوطن بالنسبة للكاتبة شيئاً من الماضي الجميل جداً… والمؤلم أكثر.

لكنّ الهجرة التي نظنها طوق نجاة أو بوابة عبور نحو عالم أفضل لم تكن كذلك، الفارق الوحيد هنا أنك تهرب من الموت المحتّم أو التعذيب المؤكّد نحو موت محتمل... تنجو بحياتك، ربما، لكنك لن تكون بمنأى عن الأذى كما كنت تتخيّل، بل سيكون الأذى مركباً: أذى الناس الذين هاجروا معك وحملوا أمراضهم الاجتماعية وعللهم الأخلاقية، مضافاً إليه أذى الناس الذين هاجرت إليهم. وهذا الأخير عبارة عن مزيج من العنصرية الفارغة والجهل بالآخر حتى تجد نفسك مكروهاً من قبل شخص ما لمجرد أنه كان يظن أنك تنتمي لقارة أخرى، بسبب تشابه اللون أو غطاء الرأس كما حدث مع "مورا"  في مواقف عديدة…

وجدت الكاتبة نفسها تعيش "غربة داخل غربة، من تحتها غربة، ومن فوقها غربة.."، في مجتمعات قد لا ترضى عن الآخر المختلف عنها حتى ولو تخلى عن كامل هويته، مجتمعات لا ترى الآخر أكثر من متسوّل بالرغم من أنها مرّت في تاريخها القريب بفترات من الحروب الأهلية دفعت الكثير من أبنائها للهجرة إلى أقاصي الأرض.

فالعدوان قد لا يأتيك على شكل سلطة غاشمة تسلب منك بقوة السلاح أبسط مقومات العيش في بلدك وتخيّرك بين الرحيل عن الدنيا والرحيل عن الوطن، وقد لا يكون خيار الرحيل ممكناً أصلاً... فالعدوان أيضاً أن يحملك مجتمع مضيف بكل صلف واستعلاء على أن تذوب فيه بسطوة القوة الناعمة والإعلام الذي يفيض كراهية... وهذا هو العدوان الذي تعرّضت له "مورا" في مدريد.

هنا يقصونك وهناك يحاربونك، هنا يهمشونك وهناك يعتقلونك، هنا يحتقرونك وهناك يحرمونك من كل حقوقك في المواطنة والإنسانية.. هنا أنت غريب وهناك أنت أشد غربة.. تقول "مورا".

وحين تكون بعيداً، تصبح رؤيتك لمشاكل مجتمعك أوضح، وتصبح أكثر قدرة على ربط النتائج المحبطة بمقدماتها وأسبابها البعيدة. تقف حائراً أمام ذلك التناقض الغريب في الحياة الاجتماعية السورية، تناقض بين ما يجري داخل البيوت وما يجري خارجها، يكاد يبلغ درجة النفاق أو يزيد. إن كان على مستوى الاهتمام بالنظافة داخل البيت حدّ الإفراط والإهمال خارجه حدّ التفريط بكل أشكال الذوق. أو كان على مستوى التمرّد على السلطة وشتمها داخل الجدران المغلقة ثم الانضباط بكل أوامرها في الخارج...

ويضاف إلى كل ذلك انفصام هويّاتي في مجتمع أخذ من العرب أحطّ ما ذهب بريحهم من أخلاق، وأخذ من الفرنسيين أسفه ما لديهم من قشور، وأدنى ما لديهم من قوانين ومفاهيم...

انفصام طال كل شيء، كاد أن يدمّر كل شي...

وحين تدنو أكثر من الغرب، تصبح أكثر قدرة على استيعاب تلك الحضارة، بكل مزاياها وعيوبها، بنظامها وانضباطها، وبمكامن الخلل القاتلة فيها، حين تدنو تجد أنّ الغربيين مستعمَرون أيضاً بطريقة أو بأخرى، تلاحظ ذلك من أبسط الأشياء، من تسلّل شجرة الميلاد وطقوس احتفالات بابا نويل إلى المجتمع الإسباني لتأخذ مكانها في تقاليد الاحتفالات الدينية الإسبانية، وصولاً إلى استبداد المصارف بالشعوب لمصلحة جهات خفيّة... تقول "مورا".

تبحر الكاتبة بنا في ما يزيد عن 500 صفحة بين الشرق والغرب، من دمشق وحمص إلى غرناطة ومدريد. وبينهما تروي لنا آلاماً عاشتها وعاشها العالم خلال تلك الفترة، وهموماً شغلتها في رحلة طويلة متعبة، استطاعت الكاتبة أن تحوّلها إلى عمل أدبي يتّسم بعمق التحليل واللغة الجميلة وبقدرة مذهلة على السخرية من الألم، وتحويله إلى مادة ترسم البسمة على وجه القارئ...

"مورا في مدريد" ليست مجرد رواية أو سيرة ذاتية، بل هي سيرة شعوب ما تزال إلى اليوم تغادر بلادها المنهكة من داخلها لتدخل أوروبا أفواجاً...  أوروبا التي عليك أن تخلع على أعتابها كل شيء، لتمنحك شيئاً أو شيئين.

 

د. عماد العبار ــــ كاتب سوري

مركز آفاق مشرقية.

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.