Flag Counter
خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع

اثنان وثمانون يوماً في الجحيم

الكاتب : مروان العش

2020-04-19 | |

هو أحد فروع جحيم ابتدعه بشر، هو زنزانات فرع التحقيق العائد للمخابرات الجوية بمطار المزة العسكري قرب دمشق، هناك شاهدت وقائع يشيب لها الشعر وتعجز عن وصفها الكلمات، لكن من هم المعتقلون الذين صادفتهم وما جريمتهم: الطيف واسع؛ فهناك من يُعتقل بلا سبب وفجأة أو حتى غير مشارك بأي عمل يثر النظام أو نشاط ثوري، وهم غالبية المعتقلين عشوائيا نتيجة وشايات كيدية أو تشابه أسماء على الحواجز وبحملات المداهمة للمدن والقرى أو نتيجة تواجدهم بالقرب من نقطة تظاهر ساخنة.   

عشرات "فصلوا" وماتوا أو ينتظرون الموت الحتمي، ومصطلح "فصل" بعرف المعتقلين السوريين في زمن الوباء الأسدي يعني أن المعتقل فقد الاحساس العقلي بالواقع المحيط (فصام أو ذهان) فيصرخ ويهلوس غائباً في عالم منفصل عن واقعه ممتنعاً عن الأكل ومتجاوزاً أبسط فواعد التصرفات الإرادية (كالتبرز بشكل لائق مثلاً) فيتوقف كل شيء في جسم الإنسان عن العمل في انتحار لا إرادي مما يؤدي للموت حتماً خلال الأيام التالية نتيجة ذلك أو على يد الجلادين المنزعجين من الصراخ الذي يطلق فيه المعتقل ما في نفسه من كبت تجاه النظام وجلاديه.

ينتج "الفصل" عن جلسات تعذيب ممنهجة لم يعرفها بني البشر عبر تاريخهم مترافقةً مع ضغط نفسي بسبب الزنزانة الجماعية أو الفردية الممتلئة بهياكل أشباه البشر، حيث الهواء الفاسد كريه الرائحة الناتجة عن قصور فتحات التهوية في الأقبية المترافقة بروائح عرق وتقيح الأجساد المنهكة، يضاف إلى ذلك قلة الطعام في تجويع مريع ومشاهد وحالات العائدين من "حفلات" السمر/التعذيب الأسدية المستمرة معظم النهار وجزءً من الليل.

يعود المعتقل من جلسة التحقيق أو بعد انتهاء "الشبح" بفك قيده بعد أن عُلِّقَ في السقف أو على سلم لساعات أو أياماً مرفوعاً عن الأرض من معصميه أو مقلوباً من قدميه، لفَكّ قيده ويُترَكُ لِيًقع على الأرض، تعليق من المعصمين (وأحياناً من القدمين) حيث يقف المعتقل فوق "تنكة" وبعد ربطه بالسلاسل المتدلية من السقف أو على سلم يركل الجلاد "التنكة" بحركة تشبه تنفيذ الشنق في حالة الإعدام، ليعود المعتقل بعد انتهاء "الشبح" يحمل كماً هائلاً من الآلام والجروح نتيجة التعليق والتعذيب الذي تعرض له أثناء شبحه حيث لا يقتصر الأمر على عذاب "الشبح"، وهنا لدى رمي المعتقل العائد من حفلة التعذيب والشبح تبدأ مرحلة "الفصل" لدى البعض.

أيضاً قلةٌ هم من يعودون من مشفى المزة العسكري 601، حيث مشاهد القتل العمد من قبل السفاح الذي يدعو نفسه "عزرائيل" وشركائه، وهو المسؤول عن "جناح" أو بشكل أدق "زنزانة" المرضى من معتقلي فرع مخابرات الجوية، حيث يقتل هذا السفاح يومياً وبشكل منتظم عدداً ً من المرضى المعتقلين بعد تناوله المسكرات ليمارس مخموراً دور القاضي والسجان والجلاد منفذاً حكمه بالإعدام عبر ضرب المعتقل بقطعة حديد على مؤخرة الرأس بشكل صاعق احترافي لكثرة ما نفذ القتل بهذه الطريقة .. روى الشهود القلة الناجين أنه يقتل يوميا بين ثلاث إلى اثني عشر معتقلا، وكل ذلك يجري بعلم ومعرفة واحياناً بحضور ضباط المشفى الإداريين والأطباء والعميد الطبيب مدير المشفى 601 المزة العسكري المشاركين جميعاً في الجريمة بل بتشجيع ورضى وحبور جزء منهم، ليسجل الطبيب الشرعي للمشفى سبب الوفاة على أنه "توقف قلب صاعق أو قصور كلوي".

مهندس دمشقي اعتقل لان ابن اخته الشاب (المهندس أيضاً) وضع في "دائرة النقل" عنوانه لتلقي مخالفات سيارته على عنوان خاله كونه يسكن في مكان خارج دمشق، قام ابن الأخت بإدخال جهاز استقبال اتصال إنترنت فضائي بسيارته بينما كان عائداً من لبنان، وهو جهاز يستخدمه الناشطون لتجاوز الحظر الذي يفرضه النظام للعمل على شبكة الإنترنت، تغاضى المخبر/مفتش الجمارك عن وجود الجهاز مع تلقي رشوة كما جرت العادة ويمرر السيارة (كفخ) ومن ثم ليكتب تقريراً بالحادثة، وليتم بعدها تحديد رقم السيارة والعنوان المرفق (وهو عنوان الخال) من خلال دائرة النقل حيث لا خصوصية للإنسان ويستخدم النظام الأمني كل المعلومات المدنية المتاحة لمراقبة البشر وتعقبهم في بلد يحكمه جهاز امني فوق أي قانون ودستور والتزام أخلاقي أو إنساني، وهكذا  تم اعتقال الخال الذي وضع عنوانه لتلقي مخالفات السير العائدة لابن اخته، ليدل مرغماً على عنوان ابن اخته ليُعتقل بدوره ومعه عمال ورشته/معمله حيث ينتج ماكينات صناعية، وبالنتيجة قُتل نتيجة التعذيب المهندس الشاب ومعظم عمال الورشة الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذا.

اجتمعت بهذا المهندس الدمشقي الشاب في شهر كانون أول 2012 في أحد الزنازين الجماعية لفرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية، كان يتمتع بموهبة صناعية متميزة جداً؛ يصمم وينتج آلات قص الحديد بالماء وخطوط الإنتاج الصناعية، قُتله نظامٌ لا يقيم وزناً للإنسان والوطن والاقتصاد والإنسان، قتله تحت التعذيب الوحشي بتهمة تهريب جهاز لاقط فضائي بعد وشاية من مخبر ومن ثم تلفيقات المحقق والتهم الجاهزة لكل مهنة؛ فمن يعمل بالإليكترونيات تهمته تصنيع دارات متفجرات كونه يصنع دارات حماية للأجهزة المنزلية الكهربائية أو مزامنات للآلات، ومن كانت مهنته تتعلق بالخراطة فتهمته جاهزة بأنه يصنع حشوات قذائف الهاون وبنادق القنص، أما من كانت مهنته مدرساً فتهمته الإرهاب والتآمر على نظام الحكم وتوجهات الدولة .. وهكذا لكل مهنة تهمة جاهزة.

هل بعد ذلك من يستغرب لماذا اشتعلت الثورة السورية وقدمنا مليوناً من خيرة أبنائنا ما بين شهيد ومعتقل ومختفي (والمليون رقم متواضع كما ستكشف الأيام) .. إنه النظام الأسدي الأمني الأعمى.

مروان العش – سياسي سوري

مركز آفاق مشرقية

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.