Flag Counter

خطأ بملء هذه الخانة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة [المصدر : مركز آفاق مشرقية] *** ونود التنويه إلى أن الموقع يستخدم تقنية الكوكيز Cookies في متابعة حركة الموقع


فكر الثورة السورية بين صلابة المركز وهشاشة الأطراف – الجزء الأول/صلابة المركز

الكاتب : هيثم البدوي

2018-07-22 | |

تحاول هذه الورقة المكونة من جزأين تسليط الضوء على فكرة مفادها صلابة الفكر الثوري فكريا واجتماعيا وبنيويا في دمشق وريفها، و ضعف ذلك الفكر في الأطراف كإدلب و درعا والمنطقة الشرقية، وهي محاولة لتقديم تفسير لذلك.

فكرة قد تكون مقنعة للبعض و مرفوضة من البعض الاخر كل من منظور وخلفية، وقد يكون العامل النفسي للكاتب ومآلات الأحداث التي عايشها وفسر وبرهن الأمر من منظورها تأثير، ولا يعني هذا الوصول لدرجة التجني على أحد، لكنه دعوة للجميع لإبداء الرأي والتطرق لهذه الظواهر المجتمعية التي عصفت بواقعنا الثوري، مع الاعتذار سلفاً لم يظن خطأً أن الدراسة تستهدفه وتهدف الانتقاص من الاطراف، لكنها دراسة ضرورة ملحة لتوجيه الانظار للبحث داخل واقعنا الاجتماعي و دوره (مسؤوليته) في إفشال الثورة.

 

مقدمة 

تعتبر نظرية المركز والمحيط (ثنائية الريف والمدينة) من النظريات الهامة والتي يمكن من خلالها تفسير التفاوت و الخلل الاجتماعي والعلمي والحضاري داخل الدول ومجتمعاتها، وتفسر بالضرورة الحالة الثورية السورية إذا ما طبقت وأنزلت على واقع وحال الثورة خاصة عند تدقيق النظر بخطوات النظام و طريقة تعاطيه وتمييزه بين مركز الدولة ومحيطها، وبالتالي طريقة تعاطيه مع ثوار المركز و ثوار المحيط.

 

مصطلحات 

ثوار المركز: ويقصد بهم ثوار دمشق وريفها "حي جوبر، داريا، غوطة دمشق الشرقية، كفر سوسة، قدسيا، الهامة، الزبداني".

ثوار المحيط: ويقصد بهم ثوار محافظتي درعا والقنيطرة في الجنوب، وإدلب في الشمال، والمنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة والقامشلي)، مع التنبيه إلى أن ثوار المحيط في الريف الحمصي والقلمون الشرقي حصلوا على وضع خاص تسبب بمعاملتهم بشكل مؤقت كمعاملة ثوار المركز.

ثقافة جبلية: و يقصد بها ثقافة الوسط الاجتماعي للطائفة العلوية المتمركزة بجبال الساحل السوري، ويُلحق بهم ثقافة القرى النائية الجبلية و السهلية المتطرفة التي اعتمد عليها النظام أيضا وأضافها لأدوات وأنساق حكمه بعد استخدامهم داخل منظومته السلطوية، والتي عمد النظام إلى إفقار قراهم لتسهيل زجهم داخل منظومته.

أما عن مصطلح فردية: فقد تم مزجه مع مصطلح ثقافة جبلية فردية؛ ليصبح معبراً عن الحالة الاجتماعية داخل المدن الكبيرة للوافدين من القرى حاملين لثقافتهم الخاصة لتصبح ثقافة فردية ضمن محيط ثقافي اجتماعي مغاير تتحلى وتتمسك به المدن ما انعكس تنافراً وكرهاً لهذه الثقافة الوافدة خاصة عندما استخدمت من السلطة لتغيير وتشويه وتفتيت ثقافة المدن وبعدها الحضاري.

 

السيطرة على الثورة

منذ بدابة الثورة، لطالما عمد النظام إلى فرض سيطرته على مراكز المحافظات و إعادتها الى حظيرة حكمه، وأجل استعادة محيط المحافظات لمرحلة تالية، حتى انتهى به المطاف لتطبيق ذلك التكتيك على دمشق وريفها وترك محافظات المحيط لمرحلة تالية.

لا تغيب ثنائية الريف و المدينة عن ما يحصل في سوريا عند تقديم دراسة أو تحليلٍ لأسباب الانهيار والسيطرة الذي أصاب الحراك الثوري وأدى إلى سيطرة النظام لاحقا على الثورة، فقد تفجرت الثورة في دمشق و درعا و ما لبثت أن انتشرت على كامل مساحة الجغرافيا السورية، مرت خلالها بمراحل و أطوار مختلفة، بداية بسلميتها مرورا بعسكرتها وانتهاء بإخمادها إلى درجة كبيرة وبطرق مختلفة تنوعت بين أساليب ومسميات متنوعة من تهجير ومصالحة وتسوية.

عند القول بأن صلابة الأفكار الثورية رافقها تهجير الثوار من مناطقهم واقتلاعهم منها، فإن هذا يحفزنا للبحث عن تلك المناطق وعرض الأسباب التي ساعدت على تشكيل صلابة الوعي الثوري لديهم، وباستعراض بسيط نجد أن التهجير بدأ بحمص المدينة ثم انتقل إلى الزبداني فداريا فقدسيا فالغوطة الشرقية وأحياء دمشق، بمعنى أن التهجير كان الخيار المفروض على ثوار المركز،  وذلك برأينا يدل على صلابة وعمق فكرة الثورة لديهم، وعدم قبولهم التراجع عنها، وعدم قدرة النظام على إعادة تهجينهم أو التأقلم معهم.

بقليل من التأمل يمكن معرفة الأسباب الكامنة خلف هذه الظاهرة، فسكان المركز (دمشق وريفها وبعض مراكز المحافظات) عايشوا ظلماً مختلفاً عن باقي المحافظات، فقد عمد النظام بوقت مبكر إلى محاصرتهم بالقوانين التي تحجمهم و تسلبهم أملاكهم، بداية من قوانين الإيجار والاستملاك والتنظيم والتي تصب بمصلحة آخرين كالمستأجر القادم من قرى حاضنة النّظام الشعبية لتعطيه أحقية وأفضلية للعيش بأملاك غيره بأسعار رمزية، حيث هَدَفَ هذا الأمر إلى خلخلة البنية الاجتماعية وفرط عقد التماسك الاجتماعي داخل نسيج المدينة الواحدة بزرع مكون غريب عن هذه البيئة مختلف التفكير والعادات. 

امتد هذا "الظلم" إلى محاربتهم في ثقافتهم المدنية الحضارية العمرانية واستبدالها بثقافة قروية جبلية (علوية) محيطية 

عن طريق استبدال القيم المجتمعية والثقافية بقيم قروية فردية، والعمل على استبدال الفن والموروث الغنائي الشعبي الدمشقي أو الحلبي (فن المدن) بموروث فني جبلي أو نوري (غجري) هابط يبتعد عن المعنى و المغزى نحو السفور والمجون، وبات يسمع في ساحات المدن الرئيسية و مراكز انطلاق الحافلات والمهرجانات "الجماهيرية" بما شوه الذوق الفني الأصيل من أجل طمس الهوية الفنية/الثقافية للمدن.

يضاف إلى ذلك أن سكان المركز وعلى الرغم من قربهم من مؤسسات الحكم السياسي ومؤسسات الدولة، فقد رفضوا الانخراط في الوظائف، و ابتعدوا عنها أو حُرِمُوا منها (وبتعبير واقعي: تم إقصائهم عن عمد) كون الوظيفة ذات دخل لا يسمح لشاغرها العيش بكرامة الانسان ومتطلبات المدينة ما يضطره لتقاضي الرشوة أو السرقة وبالتالي والتنازل بالتالي عن قيمه، وهو ما يتنافى مع مستوى التدين و الأخلاق الموجودة لدى سكان المركز(المدن)، فيما ينخفض ذلك المعيار عند سكان المحيط بسبب غياب العلم والتجهيل المتعمد الذي ألغى الرادع الذاتي لدى الفرد مما يعني ارتفاع نسبتهم (أي سكان المحيط) ضمن الوظائف بشكل عام، ولا يعني اقتصارنا على هذا السبب تهميش أو إبطال الأسباب الأخرى الكامنة خلف الابتعاد عن الانخراط في الوظائف الحكومية، إنما اقتصرنا على هذا السبب والمثال بسبب بعده الاخلاقي.

أدى هذا الحال بسكان المركز لبناء موارد دخلهم الاقتصادي بعيدا عن الوظائف الحكومية، ما جعلهم مستقلين بقرارهم السياسي أكثر من شاغلي الوظائف، وأبعدهم في الوقت نفسه عن الشعور بالانتماء الى هذه السلطة السياسية وأجهزة الدولة.

يلاحظ مما سبق سر انتفاء روابط أو أوراق السيطرة والضغط على ثوار المركز، مما يعني حاجة النظام لورقة أو أداة يستطيع من خلالها اختراق الثورة وقيادتها وحاضنتها الشعبية لتحقيق أهدافه، ولعله وجد ضالته للمفارقة في الجانب الديني الذي يرتفع لدى سكان المركز الذين عرف عنهم تدينهم وانصياعهم لقادة مجتمعهم الديني بشكل مرتفع أكثر من المحيط، وذلك إما لتدينهم أو طمع البعض بتحصيل موقع اجتماعي مرموق من خلال تقربهم من المؤسسة المشيخية الدينية، وبذلك استطاع النظام اختراق هذه المجتمعات من هذا الباب، وهو ما يفسر ارتفاع شأن ومكانة الهيئات والروابط الشرعية لدى ثوار المركز، وارتفاع شأن الشرعي والشيخ لديهم، علماً أن الوقائع أثبتت أن هذه المؤسسة الدينية المشيخية وأفرادها تتحمل جزءً كبيراً من اسباب انهيار ثوار المركز.

تتميز البنية الاجتماعية لسكان المركز بالتجانس والتعاضد نتيجة التقارب الجغرافي والاجتماعي اللصيق لدرجة تحولهم لكيان اجتماعي متشابه و قوي ساهم في انتشار الثورة بينهم و انتقالها بسرعة والمحافظة والثبات على مبادئها، وهو ما شكل عائقاً كبيراً أمام محاولات النظام للقضاء عليها، فقد كان التقارب والاتصال الجغرافي بين بلدات وأحياء المركّز دور فعال في المساهمة بتوحيد قرارها وبالتالي مصيرها مما زاد من حالة تجذر الفكرة الثورية لسكان المركز، كما ان ارتفاع سوية الوعي العلمي معرفيا واكاديميا ساهم في الوقوف بوجه النظام، فقد قدمت مناطق و ثوار المركز (الغوطة الشرقية كمثال) تجربة علمية قل نظيرها في مناطق المحيط، تمثلت بتفعيل المدارس والتعليم مع المحافظة على السوية التعليمية بل تفوقها على سوية النظام نفسه و المعارضة في غير مناطق،  وافْتُتِحَتْ إلى جانب المدارس كلٌ من المعاهد و الأكاديميات والجامعات في رقعة جغرافية محاصرة بالكامل ولفترة طويلة في ظروف قاسية جداً بينما لا تتجاوز مساحتها التسعين كيلو متراً مربعاً وبتعداد سكاني بلغ أربعمائة ألف نسمة، ما ساهم بصلابة الفكرة الثورية لثوار المركز.

من الضروري التنويه هنا إلى أن عدد المدارس التي بقيت تتبع للنظام إداريا في مناطق معارضة المركز، بلغ مدرسة واحدة فقط، و قد مُنِعَ الموظفون إن وجدوا من الخروج من الغوطة (إلا في حالات خاصة أوقات معينة) كما حال المدنيين، وذلك منعا لانتقال فكر الثورة لخارج الغوطة وداريا و مناطق المركز و انتشاره في مناطق النظام مما قد يسبب التحرر الفكري ولحاقهم بالركب الثوري، وهو أمر لم ينطبق بدرجة كبيرة على ثوار الأطراف حيث ظل النظام يصرف الرواتب  للعديد من الموظفين بمن فيهم معلمي المدارس هناك.

باختصار، كان لصمود الفكرة الثورية و تجذرها في المركز أسباب هي: التقارب الجغرافي، التجانس الاجتماعي ضمن كيان واحد، العزوف عن الانخراط بالوظائف الحكومية، وجود عمل ودخل اقتصادي بعيد عن مصادر الدخل الحكومي، وجود ثقافة مدنية حضارية تجمعهم، ذوقهم الفني المتشابه، الظلم الممنهج والمتساوي الذي عايشوه من النظام ... ولذلك كان قرار النظام الوحيد وخياره الأول والمفضل لإنهاء مقومات صلابة الفكر الثوري عِندَهُم هو تهجيرهم قدر الإمكان ناهيك عن إبادتهم عن طريق آلته الحربية، وذلك لتحقيق أهداف يريدها هي: تمزيق شملهم، تبديد قوتهم وتماسكهم الاجتماعي عن طريق تغير الديمغرافية البشرية في مناطقهم خصوصا حيث تم منح المليشيات الوافدة لمساندة النظام جنسيات سورية وتم توطينهم في مناطق المركز كما حصل في داريا، العمل على تحويل ثقافتهم لثقافة محيطية بعد إبعادهم عن المركز نحو المحيط، إنهاكهم اقتصاديا بعد سلبهم ممتلكاتهم وتحويلهم لافراد يسعون خلف المساعدات والمعونات، العمل على تدني الوعي والمستوى العلمي عندهم.

حتى من بقي في مناطق المركز ورفض التهجير وقبل العيش بظل الخنوع للنظام؛ لم يكن ذلك ليشفع له، فقد قرر النظام مسبقا تغير الديمغرافية البشرية لمناطق المركز ليسهل عليه السيطرة عليها والتحكم بها وتفتيت الحاضنة الاجتماعية فيها تحسباً لأي انتفاضة لاحقة ضده.

نجد مما سبق أن اهتمام النظام كان منصبا على ثوار المركز بمحاصرتهم والقضاء عليهم أولا، وهو ما يدفعنا للتساؤل عن  السبب الذي جعل النظام يضع ثوار المحيط كهدف ثانٍ تالٍ وليس الهدف الأول رغم امتلاكهم التسليح الثقيل (نسبياً) والتسليح الخفيف بما يقترب نسبياً من درجة تسليح النظام (اذا استثنينا سلاح الطيران)، وبالرغم من أعدادهم الكبيرة مقارنة بثوار المركز، ووجود طرق إمداد لهم ومساحات جغرافية واسعة تتيح هوامش مناورة عسكرية كبيرة كما 

أنها غير مُحاصَرَة (نسبياً) سيطرتهم ومفتوحة على طرق إمداد عسكري وإغاثي وحرية حركة معقولة، وكلها عوامل كان من المفترض أن تعكس درجة صمود أعلى من قبل ثوار المحيط بوجه النظام وتخوف أكبر منه لقوتهم العسكرية، و هو ما لم يظهر على أرض الواقع؛ فقد انهار المحيط بسرعة أكبر بكثير من المتوقع وسارع لعقد الهدن والمصالحات/الاستسلام وتسليم السلاح في بداية الحملة العسكرية عليه، فمن المعروف أن حلب صمدت ما يقارب الثلاثين يوماً، وصمدت الغوطة ما يقارب الاربعين يوما في وجه اعتى حملة عسكرية همجية ضدها لم يعرف التاريخ شبيه بضراوتها، في حين لم يتجاوز صمود درعا العشرين يوما في قتال متقطع لا يرقى بأي حال لما كان متوقعاً حتى بدأت الهدن و المصالحات (الاستسلام) على الرغم من مساحة درعا التي تفوق مساحة الغوطة بعشرات المرات ومقومات الصمود المتوفرة لها مما سبق ذكره.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من هذه الورقة البحثية.

هيثم البدوي

كاتب سوري وطالب علوم سياسية في أكاديمية مسار / غوطة دمشق الشرقية

مركز آفاق مشرقية

Top of Form

Bottom of Form

 

المادة المنشورة تعبر عن رأي الكاتب ولا يتبناها بالضرورة مركز آفاق مشرقية، ويتحمل الكاتب المسؤولية القانونية والعلمية لمضمون هذه المادة.

: تقييمك للمقال

التعليقات

كن أول من يكتب تعليقاً

اترك تعليقاً
1000
نشكر مساهمتكم والتعليق قيد المراجعة
حقوق النشر محفوظة لمركز آفاق مشرقية الذي يصرح بإعادة نشر المواد شرط الإشارة إلى مصدرها بعبارة "المصدر : مركز آفاق مشرقية" © 2017 Oriental Horizons. All Rights Reserved.